من أبناء الطاعة إلى أساتذة الشتيمة

بقلم… ماهر حسن
الذين يرفعون عقيرتهم اليوم بالإساءة إلى الكورد تأريخهم سلسلة من الصمت والانحناء أمام كلّ من حكمهم، ثم استعراض صوتي عند أول فرصة لافتعال بطولة وهمية لا تسندها أفعال.
يعرف هؤلاء جيداً أن الشعب الذي يهاجمونه اليوم قضى عقوداً رافضاً لفكرة الولاءات السياسية المتقلّبة، بينما كانوا هم يترّقبون توقيع السيد الجديد في دفاتر الطاعة. وما يثير حنقهم ليس قوة الآخر، بل انكشاف فشلهم في صناعة إرثٍ يليق بما يدّعونه من شعارات.
القضية ليست شتيمةً مقابل شتيمة، بل فضح لأزمةٍ داخلية عميقة في البنية القومجية ذاتها. فهذا الخطاب يحتاج دائماً إلى “عدوّ” يعلِّق عليه عقده التاريخية، ليهرب من مواجهة المرآة التي تكشف عقوداً من الانصياع السياسي. ولأن رصيده الحقيقي خالٍ من مواجهة الظلم، لا يجد أمامه إلا التشويه… لأنه لا يمتلك غيره.
القومجي لم يجرؤ يوماً على تحدّي سلطةٍ فوقه، لكنّه يتجرّأ فقط على من كشف هشاشته عبر التاريخ. وما يثير رعبه أن هذا الشعب لم يدخل يوماً في مدارس التلقين التي تربّى هو وأجداده في أحضانها، ولم يتوارث ثقافة الطاعة التي التصقت بهم جيلاً بعد جيل.
ولهذا السبب، حين يريد الهروب من تاريخه، يتّجه مباشرة إلى مهاجمة من رفض الخضوع. لا بحثاً عن الحقيقة، بل هرباً منها.
إن الذي يلوّح اليوم بالافتراءات يعرف تماماً أن أجداده لم يصطدموا يوماً بسلطة ظالمة، بل تنقّلوا بين ولاءات القوى الأقوى، مهما كانت هويتها. وهذه ليست إهانة… بل حقيقة تاريخية عارية.
الذين يصرخون اليوم كانوا بالأمس يختبئون خلف كلّ سلطة صاعدة، عثمانية كانت أو غيرها، يبررون لها ويتلونون معها ويتوارثون هذا السلوك كأنما هو جزء من تكوينهم.
وحين يرون شعباً رفض هذا الإرث وصنع لنفسه مكانةً بين القوى الفاعلة، ينفجر الحقد التاريخي بكلّ بدائيته.
وما يوجعهم أكثر أن هذا الشعب لم ينتظر إذناً ليكون لاعباً أساسياً، ولم يقف على أبواب السلاطين يطلب اعترافاً، بل صاغ مساره بجهده وتضحياته وقياداته، قبل زمن الشعارات التي راكمها القومجيون على الورق.
ما الذي يزعج القومجي فعلاً؟
أنه يرى أمامه شعباً خرج من دائرة التبعية، بينما تعلّم أجداده فنّ الانتظار: انتظار “من المنتصر؟” ليعلنوا الولاء له. في حين يحاول أحفادهم اليوم تغطية تاريخ بلا مبادرة ولا فعل، عبر صناعة رواياتٍ واهية لا تصمد أمام وثيقة واحدة.
إنهم في النهاية ليسوا إلا صوتاً مرتجفاً خلف صراخ مرتفع. يعرفون يقيناً أنهم لا يستطيعون مواجهة السردية التي يحاولون إنكارها- لا سياسياً، ولا تاريخياً، ولا أخلاقياً. فيهربون إلى الشتائم لأنها آخر سلاح يمتلكه الضعيف حين تعجزه الحقائق.
وصراخهم اليوم ليس رمز قوة، بل اعتراف صريح بالعجز عن استيعاب أن من حاولوا التقليل من شأنه أصبح قوة سياسية واجتماعية وعسكرية لا يمكن تجاوزها.
ولذلك: كلّما ارتفع الصراخ… ازداد الانكشاف. وكلّما تضخّم الهجوم… برزت الفجوة بين من بنى نفسه على الصمود، ومن بنى تاريخه على التكيف مع الأقوى.
هذا ليس دفاعاً عن أحد- فالإرث الحقيقي لا يحتاج إلى محامي- بل كشف لحقيقة يحاول القومجي طمسها:
أن من يعاديك اليوم لا يفعل ذلك لضعفك، بل لقوتك. وعداوته ليست سياسية بقدر ما هي نفسية: فهو يرى فيك كلّ ما كان يجب أن يكونه… ولم يكن.