قدّمت اللجنة المشكلّة تحت قبة البرلمان التركي باسم (لجنة الوحدة الوطنية والأخوة والديمقراطية) والتي تشُكّلت في 5 أغسطس/ آب 2025، قدّمت تقريرها النهائي للرأي العام في 19 فبراير/ شباط.
في ثنايا هذا التقرير، تمّ الكشف عن نوايا الدولة التركية وكذلك الخطوط العريضة للاتفاقية المبرمة بين إمرالي والدولة، بالإضافة إلى أن التقرير سلّط الضوء على ما سيحدث في المستقبل وإلى أين تتّجه القضية الكوردية في تركيا. لذا، فهو تقرير موثوق وهام.
كان من المفترض أن يتضمن التقرير بعض العناوين البارزة والتي تقترح وتطرح حلاً حقيقياً للمشكلة الكوردية. كما كان من المفترض أن تكون هذه العناوين كالتالي:
1- تحديد الأسباب التاريخية والمعاصرة للمشكلة الكوردية. كما كان من المفترض على أقلّ تقدير أن يتطرق التقرير إلى المآسي والمجازر، وإخلاء القرى وحرقها، والظلم الذي لحق بالكورد عبر تاريخ الجمهورية التركية نتيجةً إنكار الدولة لحقوقهم.
2- ضرورة مناقشة حقّ الكورد في تقرير المصير والحكم الذاتي، والاعتراف بهم في الدستور، وتسليط الضوء على حقوقهم القومية وغيرها.
3- بعد وضع كلّ هذه التعريفات، كان ينبغي مناقشة استعادة أسمائنا ومناطقنا الكوردية، وإخلاء السجون، والكشف عن جرائم القتل المجهولة الفاعل، ومحاكمة المسؤولين عنها، وعودة المقاتلين. وكان لا بدّ من وضع خارطة طريق لتحقيق كلّ هذا، والإعلان عن خطة عملية لتسهيل تنفيذ هذه القرارات، وأخيرًا، كان بإمكان أوجلان ممارسة حقّه في الأمل في هذا الإطار.
تحت هذه العناوين الثلاثة، كان بالإمكان تقبّل وجود قضية كوردية وتقديم الحلول لها. لكن، لم يتمّ ذكر اسم الكورد في التقرير، بل لم يُسمح في التقرير حتى استخدام كلمة “كوردي”. في الواقع، يستخدم التقرير شهادات غير واضحة حول كيفية حلّ مشكلة حزب العمال الكوردستاني بكك، لا حلّ القضية الكوردية. باختصار، يقول تقرير 19 شباط: “لا توجد هناك أي مشكلة كوردية في تركيا، بل توجد مشكلة إرهاب فقط!”.
عندما ننظر إلى التقرير من هذا المنظور ومن هذه الزاوية، نجد أنه ليس كما زعمت صحافة حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Partî) وحزب العمال الكوردستاني (PKK) أن “التقرير يشوبه بعض الأخطاء وفيه بعض العيوب ويحتاج إلى مراجعات وتعديلات…” بل هو تقرير خاطئ جوهرياً ومن أساسه، فهو ينكر وجود الكورد في تركيا، والحقّ أنه يمكننا القول إن التقرير يكشف بوضوح أن ما يُسمى بمشروع “تركيا بلا إرهاب” ليس إلا مشروعاً لـ “تركيا بلا كورد” في حقيقته.
بدلاً من الحديث عن الحرية والمساواة للكورد… جدول الأعمال يقتصر على “حقّ الأمل لأوجلان” أي باختصار، أن قرنًا من القمع والظلم والإبادة بحقّ الكورد، وأكثر من عشرين مليون كوردي في باكور كوردستان-كوردستان تركيا يتمّ التضحية بهم من أجل أوجلان! يبلغ أوجلان من العمر 77 عامًا، ولن يعيش خمسين عامًا أخرى. فهل سيتخلى الكورد عن جميع حقوقهم ليتمتع أوجلان بحقّ الأمل؟! ثمّ يقاتلون من أجل حقوقهم مجددًا بعد أربع سنوات من وفاته؟ فهي سياسة متعمدة للدولة تتجاهل الواقع، كما أنها سياسة دولة محتلّة تهدف إلى تضليل الكورد وخداعهم وإبادتهم والقضاء عليهم.
فيا تُرى: ماذا سيقول الجانب الكوردي عن هذا الوضع؟ الحقيقة هي أنه لا يوجد تمثيل كوردي ضمن القوى التي تقود العملية، إذ لا أحد يطالب بمطالب نيابةً عن الكورد، ولا أحد يسعى لتحقيق إنجازات ملموسة. من بين الخمسين شخصًا في اللجنة، رفض ثلاثة فقط التقرير الذي لم يتضمّن أي شيء عن حقوق الكورد، علماً أن هؤلاء الثلاثة ينتمون إلى منظمات يسارية تركية وليسوا كورداً، وكشف هؤلاء أن سبب رفضهم للتقرير يعود إلى أنه “لا يعترف بالقضية الكوردية”.
بينما صوّت حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Partî) الذي كان مشاركاً في اللجنة التي أعدّت التقرير بكامل أعضائه. ثمّ أعربوا لاحقًا عن استيائهم ولكن فقط من “تسمية العملية وحرية أوجلان، والتعديل الدستوري المتعلّق باللغة”.
بعد ذلك، صدر بيان من منظومة حزب العمال الكوردستاني (منظومة المجتمع الكوردستاني KCK) وفسّرت بعض الأطراف بيان (KCK) على أنه “انتقادات حادّة ولاذعة”. علماً أن البيان لم يتضمن أي انتقادات لا حادّة ولا لاذعة، بل جلّ ما تناوله هو قضية نزع سلاح المقاتلين الگريلا وعودتهم إلى تركيا مشروطاً بـ “تمهيد الطريق أمام السياسة الديمقراطية”.
بمعنى، أن الجانب المحسوب على الكورد من (منظومة حزب العمال الكوردستاني وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Partî)) لم ينطقا ببنت شفة حول إعادة صياغة الدستور التركي وتعديله أو الاعتراف بالكورد كـ أمة-شعب، أو الحكم الذاتي…
بل لا يستطيعون أصلاً قول أي شيء، لماذا؟ لأن التقرير الذي أعدّته اللجنة قد حظي بموافقة أوجلان.
استغرق إعداد هذا التقرير شهرًا، وكان حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Partî) عضوًا في اللجنة آنذاك. وفي السادس عشر من فبراير/ شباط الجاري، توجّه وفد إمرالي لـ (DEM Partî) إلى إمرالي والتقى بأوجلان، وتمّت مناقشة أطر التقرير. وبحسب المعلومات التي وردتنا من بعض المصادر داخل حزب العمال الكوردستاني بكك، فقد أُرسل التقرير إلى أوجلان مسبقًا، وطلب أوجلان منهم خلال الزيارة دعم التقرير والموافقة عليه…
والحق يُقال، أن تقرير اللجنة الذي يعترض عليه الشعب الكوردي وينتقده اليوم، يتّفق ويتوافق تمامًا مع رؤى وأفكار أوجلان. فأوجلان لا يطالب بأي حقوق دستورية للكورد، فعموم الكورد سمعوا ورأوا ماذا قال أوجلان في دعوته في 27 شباط العام الماضي، والتي “دعت إلى حلّ حزب العمال الكوردستاني وفسخه” حيث قال: “لا يمكن لدولة قومية منفصلة، أو فدرالية أو حكم ذاتي أو أي شكل من أشكال الاستقلال الإداري، أو الحلول الثقافية أن تُجيب على التساؤلات السوسيولوجية التاريخية للمجتمع!”.
فـ أوجلان لا يطالب بتغيير الحدود. ولا يطالب بالحكم الذاتي أو الفدرالية للكورد، ولا يطالب بالاعتراف بالكورد كأمة وشعب مستقل في الدستور. ولا يطالب بالاعتراف باللغة الكوردية كلغة رسمية لتركيا.
فيا تُرى: ماذا يطالب أوجلان للكورد؟ الديمقراطية…
يضعون كلمة الديمقراطية في بداية كلّ شيء، ويخلقون مفاهيم مثل تركيا الديمقراطية، والأمة الديمقراطية، والاتّحاد الديمقراطي، والاشتراكية الديمقراطية… ويريدون أن يُطالب الكورد بتحقيق هذه لا غير، يتمّ تقديم الديمقراطية على أنها مفتاح الحلّ لكلّ شيء. يُطرح مفهوم الديمقراطية كدواء يُشفي كلّ الآلام والأسقام… لكنّ الأمر ليس كذلك؛ فالديمقراطية هي شكل من أشكال نظام الحكم. وهناك ديمقراطيات جيدة وديمقراطيات سيئة ومعيبة. والهدف الحقيقي للكورد هو الحفاظ على هويتهم وحقوقهم وحقّهم في تقرير المصير… وهذه الأمور تتحقّق فقط بموجب بنود دستورية.
أوجلان لم يطالب بأي شيء للكورد ولن يُطالب به أبداً
لذا، فإن التقرير الذي أعدّته اللجنة البرلمانية في تركيا لا يتضمن أي شيء يخصّ الكورد.
لذا، فإن تقرير اللجنة البرلمانية هو في واقعه وحقيقته تقرير أوجلان، وهو يتفق تمامًا مع آرائه.
أمّا انتقادات منظومة حزب العمال الكوردستاني (منظومة المجتمع الكوردستاني KCK) وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Partî) فليست موجّهة ضدّ الدولة، بل هي مجرّد محاولة يائسة لتجنّب النقد الكوردي والاستياء والغضب الشعبي، وكأنهم يقولون: “أنظروا… نحن أيضاً ننتقده، وسيكون كل شيء على ما يرام!”.
إن العملية التي يُطلق عليها باخجلي وأوجلان وأردوغان تسمية “الحل” هي في الحقيقة عملية ومشروع يهدف إلى صهر الكورد وإزالة اسم الكورد وكوردستان في باكور كوردستان، وقد أوضح وأفصح تقرير اللجنة البرلمانية التركية ذلك جليًا.