شهدت محكمة الرصافة في بغداد لحظات إنسانية قاسية وتاريخية أثناء محاكمة “عجاج أحمد حردان التكريتي” الملقّب بـ (حجاج نقرة السلمان) أحد المسؤولين السابقين في سجن “نقرة السلمان” إبان عهد النظام البعثي البائد.
حضر الجلسة العشرات من الناجين وذوي ضحايا عمليات الأنفال، الذين واجهوا الجلاد بقصصٍ ملؤها الألم والدماء، مستذكرين وحشية التعامل الذي لاقوه في ذلك المعتقل الصحراوي السيئ الصيت.
بدموع لم تجف منذ عقود، روت إحدى الأمهات الناجيات من “نقرة السلمان” مأساتها قائلة: “منذ اليوم الذي تحرّرت فيه من ذلك السجن وحتى هذا الصباح، لم أذق طعم (الصمون) أو الخبز بسلام؛ لأن طفليَّ (ملاك طاهر – 11 عاماً) و(كاروان طاهر – 4 أعوام) فارقا الحياة جوعاً أمام عيني هناك”. وأكّدت الأم أن ذكريات التعذيب والجوع خلقت غصة في قلبها سلبت منها لذة الطعام والعيش.
وفي مشهد يجسد تداخل الفرح بالجرح الوطني، ترك أحد الآباء حفل زفاف ابنه الذي تزامن مع يوم المحاكمة، ليتواجد أمام منصة القضاء. وقال الأب بمرارة: “اليوم يومٌ يمتزج فيه الفرح بالحزن؛ ابني عريس، لكن وطني (مؤنفَل). تركت الحفل وجئت إلى هنا لأرى محاكمة هذا الجلاد الذي سامنا سوء العذاب قبل 38 عاماً”.
من جانبها، تحدثت ناجية أخرى عن تشتت عائلتها، حيث أُنفِل زوجها واثنان من إخوتها، بينما استشهد أخ ثالث لها، وكان ابنها سجيناً معها. وقالت واصفة إجرام “عجاج”: “كنّا نراه في السجن، وكان يمنعنا حتى من النظر إليه؛ ومن يتجرّأ على رفع عينه كان ينال أشدّ أنواع التعذيب. اليوم وبعد 38 عاماً، عرفته فور رؤيته، إنه الجلاد ذاته الذي دمّر حياتنا”.
ولم يكتفِ الضحايا بالمطالبة بالعدالة القانونية فحسب، بل أرادوا أن يسمع العالم حجم المعاناة التي عاشوها. وقالت إحدى الحاضرات: “مطلبي هو أن يُسلم هذا الجلاد إلينا، لكي يذوق مرارة الجوع والحياة القاسية التي أذاقنا إياها”.
تأتي هذه المحاكمة بعد قرابة أربعة عقود على الجرائم المرتكبة، حيث لم تندمل جراح ذوي الضحايا بعد. وكان “عجاج حردان” قد اعتُقل في 30 تموز من العام الماضي، ومَثَل أمام محكمة الرصافة عدة مرات. وتشير التوقعات إلى قرب صدور الحكم النهائي، خاصة بعد اعترافه المسبق بالجرائم التي ارتكبها بحقّ المواطنين الكورد في “نقرة السلمان”.
وحضر الجلسة نحو 221 شخصاً من ذوي الضحايا القادمين من مناطق (كرميان، خورماتو، السليمانية، وأربيل)، ليكونوا شهوداً على معاقبة القائد العسكري الذي عُرف بأساليبه السادية، ومنها ترك السجناء لساعات طويلة تحت أشعة شمس صحراء السماوة الحارقة دون ماء أو طعام.