أيا تُرى: هل سينزل عناصر العمال الكوردستاني من الجبال؟

“العملية” التي انطلقت في 28 من شباط عام 2025 بدعوة عبد الله أوجلان إلى حلّ حزب العمال الكوردستاني بكك وفسخه مستمرّة. وبحسب توصيف الدولة التركية، فإن الهدف من هذه العملية هو تحقيق “تركيا خالية من الإرهاب”، بينما يصفها العمال الكوردستاني بـ “الاندماج الديمقراطي ودمقرطة تركيا”. لهذا؛ يعمل الطرفان معاً على العملية، لكنهما يعبران عن رؤى متباينة ومتناقضة وغير مترابطة.

منذ البداية، أدرك الكورد ثاقبي البصيرة والوعي المستقبلي أن هذه العملية ليست حلاً للقضية الكوردية؛ فأوجلان نفسه لم يطالب بأيّ شيء للكورد قطّ. وكما قال المثل: “الطفل الذي لا يبكي لا يرضع-أو-لا لبن لرضيع لم يبكِ” فلا شيء يلوح في الأفق للكورد.

لكن، برزت دلالة عن حسن النية مفادها: بما أنّ القضية الكوردية لم تُحلّ، فعلى الأقل لينزل من في الجبال وليُفرج عمّن في السجون والزنازين وليتوقف شبح الموت عن مطاردة أرواح شباب الكورد في الأنفاق والجبهات وليعودوا إلى أحضان عائلاتهم… بيد أن الوقائع أثبتت أن هذه العملية لا تلبي حتى مثل هذه الآمآل والرجوات…

مسودة التقرير التي أعدتها “لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية” المنوط بها ظاهرياً إدارة عملية الحل هذه قد سربت لوسائل الإعلام تفاصيل دقيقة تتعلّق بمسألة النزول من الجبال. كما فسّر رئيس البرلمان التركي، نعمان كورتولموش، الإطار القانوني لهذا التوجّه، والذي تتلخّص معالمه في الآتي:

غياب العفو العام: وهذا يعني صراحةً عدم الإفراج عن المعتقلين في السجون.

قانون مؤقّت: تسنين قانون يسري مفعوله لمدة 6 أشهر إلى سنة، ليصبح بعدها لاغياً.

شرط البراءة: يشترط في الراغبين بالعودة إلى تركيا ألّا يكونوا متورّطين بأي جريمة- أن يكونوا بلا أيّ جرم (أي لم يشاركوا في أي أنشطة قتالية أو عملياتية).

الرقابة المشدّدة: سيخضع العائدون إلى تركيا لرقابة مشدّدة وتدقيق أمني تتراوح مدته بين 3 إلى 5 سنوات.

استثناء القيادات: لن تُسنّ قوانين تشمل قادة ومسؤولي حزب العمال الكوردستاني، أو أولئك الذين حملوا السلاح واستخدموه.

تجاهل المنشقين: ملف ما يقارب 40,000 شخص ممّن انشقوا عن حزب العمال الكوردستاني في فترات متباينة، لم يطرح مطلقاً على طاولة النقاش.

عندما يمعن المرء النظر في القانون برمته، يتّضح الوضع كالتالي: “يمكن لمجموعة صغيرة من الشباب ممّن لم يستخدموا السلاح قط، والملتحقين بحزب العمال الكوردستاني في السنوات الأخيرة، العودة إلى ديارهم”.

هذا الوضع يجسد تماماً المثل الشهير: “تمخض الجبل فولد فأراً” فوسط كلّ هذا الضجيج الصاخب والمواقف والمساومات والمحادثات والهدايا المتبادلة ومصطلحات “القيادة المؤسِّسة” و”السيد باخجلي” و”الاندماج” و “الحلّ الإيجابي” المتداولة بين دولت باخجلي وأوجلان، تبين أن الشيء الوحيد الذي يراه كلّ من حزب العمال الكوردستاني بكك والدولة ملائماً ومناسباً لشباب الكورد ألا وهو “قانون الندم الفعال”، بل حتّى أنّ بنود قانون “الندم” المنصوص عليه في قانون العقوبات التركي والنافذ لغاية الآن لهو الأفضل والأكثر فاعلية من مسودة القانون هذه.

لهذا، نتساءل: ما الذي حقّقه الكورد في العملية الجارية لعام ونصف؟ فلم يعد أحدٌ يتحدّث عن الكورد! حقوق الكورد في الإدارة والحكم الذاتي، حقّهم في السيادة، حقّهم في التعليم بلغتهم الأم وحقّهم في التعريف والتثبيت الدستوري، نعم، كلّ هذه الأمور باتت طيّ النسيان، وللأسف، كما لم تعد باستطاعة العائلات رؤية أطفالها الآن.

حينما انطلقت هذه العملية، ظنّت بعض الأطراف والأوساط عن حسن نية أن باكور كوردستان-كوردستان تركيا سيتنفس الصعداء وينعم بالراحة في ظلها، لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن؛ والعكس تماماً هو ما حدث، الدولة والحزب نكلتا ومالتا عن موقفيهما، فبينما كان الحلّ مرجواً في باكور كوردستان تمّ تدمير وهدم روجآفا كوردستان-كوردستان سوريا، الدولة التركية لا ترغب في نزول العمال الكوردستاني من الجبال وإلقاء سلاحه، فالدولة التركية بأمسّ الحاجة إلى العمال الكوردستاني بكك استراتيجياً، لذا، فـ عملية الحلّ ليست حلّاً للقضية الكوردية، ولا هي بالمسار الذي سيفضي إلى نزول مقاتلي حزب العمال الكوردستاني من الجبال. كان الهدف تدمير روجآفا كوردستان والقضاء عليه، وقد نالت الدولة التركية مبتغاها وحقّقت هذا الهدف وهذا النصر، وانحرف مسار عملية الحلّ لتتحوّل إلى آلية تُوظّف حزب العمال الكوردستاني بشكل أكثر فاعلية ونشاطاً في خدمة مصالح الدولة التركية وأجنداتها.