أكّد زعيم الشعب الكوردي، الرئيس مسعود بارزاني، اليوم الخميس، أن الحكمة والقرارات العقلانية حالت دون وقوع كارثة إنسانية وفتنة عرقية في روجآفا كوردستان-كوردستان سوريا، مشدّداً على أن الموقف التاريخي للكورد كان وسيبقى دائماً ضدّ الظلم والظالمين، وليس ضدّ الشعوب.
جاء ذلك خلال كلمة ألقاها في أعمال “مؤتمر ميزوبوتاميا الطبي” بالعاصمة أربيل، حيث تناول الرئيس بارزاني جملة من الملفات السياسية والإنسانية الحسّاسة التي تخصّ الشأن الكوردي والإقليمي.
وفي معرض حديثه عن الأزمة الأخيرة في روجآفا كوردستان، كشف الرئيس بارزاني عن مخاوفه العميقة التي سبقت المرحلة الماضية، قائلاً: “كان خوفي الأكبر هو انزلاق المنطقة نحو حرب كوردية-عربية، وهو ما كان سيشكّل كارثة كبرى بكلّ المقاييس”.
وأضاف: “التاريخ يشهد أن الكورد لم يكونوا يوماً هم المبتدئين بالحرب، وتوجيهاتنا دائماً تشدّد على أن صراعنا هو ضدّ الظلم فقط”. ووصف الرئيس بارزاني تجاوز تلك المرحلة الحرجة بعبارة “دفع الله ما كان أعظم”، مشيراً إلى أن اتّخاذ القرارات في مثل هذه الظروف يتطلّب تغليب العقل على العاطفة.
وأوضح الرئيس بارزاني الفرق بين تدخّل قوات بيشمركة كوردستان في كوباني سابقاً والوضع الحالي، مبيناً أن إرسال البيشمركة إلى كوباني كان ضرورة لمحاربة داعش جنباً إلى جنب مع إخوانهم، أمّا في الأزمة الأخيرة “فقد كانت الظروف مختلفة، وكان الهدف الأساسي والملحّ هو إخماد نيران الحرب ومنع توسّعها”.
وأعرب الرئيس بارزاني عن أمله في استمرار الاتفاق المبرم بين الأطراف في روجآفا كوردستان والحكومة السورية الانتقالية، مؤكّداً أن إقليم كوردستان بذل كلّ جهد ممكن لضمان عدم توسع رقعة الصراع، وصولاً إلى تحقيق حياة رغيدة ومستقرة للأهالي هناك.
ووصف الرئيس بارزاني “الشعور والفكر القومي” الذي تجلّى لدى الكورد في الأجزاء الأربعة من كوردستان وفي المهجر بأنه “أكبر نصر” مؤكّداً أن هذه الوحدة هي القوة الحقيقية.
كما وجّه الرئيس بارزاني شكراً خاصاً لشعب كوردستان على حماسه واستعداده للتطوع، مثمناً الدور الإنساني الكبير الذي قامت به “مؤسّسة بارزاني الخيرية” ووزارة الصحة في حكومة إقليم كوردستان، لما قدمتاه من خدمات جليلة ومساعدات إغاثية طبية وإنسانية للمحتاجين في روجآفا كوردستان.
وفي رسالة سياسية واضحة، قال الرئيس بارزاني: “يجب ألا نفكّر في الحرب كخيار، ولكن في الوقت ذاته، لا يمكننا قبول الظلم من أي طرف كان”.
وعن الأوضاع في باكور كوردستان-كوردستان تركيا، جدّد الرئيس مسعود بارزاني دعمه لعملية السلام في تركيا، مؤكّداً: “لقد ساندنا عملية السلام منذ يومها الأول، وما زلنا ندعمها، ونأمل أن تصل إلى نتائج إيجابية تصب في مصلحة وخير الجميع”.
مصارحة الشعب بـ”عقبات” تشكيل الحكومة…
وفي خطاب اتّسم بالمصارحة والواقعية السياسية، تناول الرئيس مسعود بارزاني، أبرز التحديات التي تواجه إقليم كوردستان والعراق والمنطقة، موجّهاً رسالة استراتيجية حول “الإرادة الوطنية” كشرط أساسي لانتزاع الاعتراف الدولي.
وبلغة اتّسمت بالشفافية، شخّص الرئيس بارزاني ملامح الأزمة السياسية الراهنة، مبيناً أنه على الرغم من مرور عام على الانتخابات التي جرت في إقليم كوردستان، إلّا أن عملية تشكيل الحكومة لم تكتمل بعد، سواء في الإقليم أو في العاصمة الاتّحادية بغداد.
وأكّد الرئيس بارزاني على أنه “يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع شعبنا؛ العقبات كثيرة ومعقدة، لكننا نبذل جهوداً حثيثة لتذليلها وإيجاد الحلول المناسبة”.
وجدّد الرئيس بارزاني التزام إقليم كوردستان بدعم كافة المساعي التي تهدف إلى إخراج العراق من أزمته الراهنة، مؤكّداً الاستعداد الكامل لمساعدة “الشركاء والأصدقاء” في بغداد لتجاوز هذا الانسداد السياسي في أسرع وقت ممكن.
وحول المناخ الإقليمي المتأزم، وصف الرئيس بارزاني وضع المنطقة بـ “المعقّد”، داعياً دول الجوار إلى تبني لغة الحوار والسلام كبديل وحيد للنزاعات. وقال: “الحرب هي الخيار الأسوأ على الإطلاق، فهي تضرّ بجميع الشعوب وبكافة الأطراف دون استثناء” معرباً عن أمله في أن تُحلّ الخلافات الإقليمية عبر القنوات الدبلوماسية لضمان استقرار المنطقة.
واختتم الرئيس بارزاني كلمته برسالة وجدانية وفلسفية عميقة حول قضية الشعب الكوردي، حيث خاطب الحضور قائلاً: “علينا أن ندرك يقيناً أنّه إذا امتلكنا الإرادة الصلبة وآمنا بعدالة قضيتنا، فسنجد الأصدقاء دائماً إلى جانبنا. أمّا إذا غابت الإرادة وضعفت الثقة بأنفسنا، فلن يجد لنا صديق في هذا العالم”.