لم تعد خطابات ورسائل عبد الله أوجلان، التي تُنشر سنويًا خلال عيد رأس السنة الكوردية نوروز، مجرّد رسائل تهنئة، بل تحوّلت إلى بيانات أيديولوجية قائمة على دفن قضية “استقلال كوردستان” وطمرها تحت التراب، هذه الرسائل والخطابات وبدلًا من التعبير عن المطالب الوطنية للشعب الكوردي، تسعى بلغة خفية وغامضة ورومانسية إلى حصر الكورد وصهرهم ودمجهم ضمن حدود “الميثاق الوطني-ميساقا ملي” ومصالح الدولة التركية.
ففي رسالة أوجلان الأخيرة والتي غادرت أروقة إمرالي قبل يومين، هاجم أوجلان بشدّة مفهوم “الدولة القومية”. لكن هذا النقد والهجوم لم يطال جميع الدول القومية، بل استهدفا الكورد فقط لسلبهم حقّهم في إقامة دولتهم القومية. فعندما يصف أوجلان الحدود بأنها “خيال ووهم” فهو في الواقع يبرّر الحدود التركية المصطنعة والتي رُسمت قسرًا على أراضي كوردستان، ويصوّر مطلب الاستقلال على أنه “تخلف ورجعية”. هذا التقارب وبدلاً من خدمة حرية الكورد، يتحوّل لـ درع أيديولوجي يحمي وحدة الدولة التركية.
برسائله وخطاباته في عيد نوروز، تخلّى أوجلان علنًا عن قضية الدولة الكوردية. وبإدانته وانتقاداته لـ “الدولة القومية” باعتبارها نتاجًا للرأسمالية، فهو في الواقع يحرّم الكورد من حقّهم في إقامة دولتهم على أرضهم التأريخية.
“دفن حلم استقلال كوردستان (كوردستان المستقلة)”
إن لغة وخطاب “أخوة الشعوب” و”قرن تركيا” الجديد الذي يطرحه أوجلان كبديل، ليس في حقيقته إلّا مشروعًا للاندماج السلس والانصهار الطوعي والمرن والتدريجي وفرض “التتريك”، وبهذا الخطاب يجعل أوجلان الكورد سجناء داخل الحدود السياسية للجمهورية التركية، فأوجلان وتحت يافطة “أخوة الشعوب” يُذيب الهوية القومية-الوطنية الكوردية، ويستخدم الكورد كـ “محرك لدمقرطة تركيا”. فبدلًا من منح الكورد كياناً سياسيًا مستقلًا، يجعلهم “محركًا لديمقراطية تركيا”. وهكذا، تُراق دماء الكورد من أجل أن إرساء الديمقراطية في تركيا وتحويلها لدولة “ديمقراطية”، لا من أجل تحرير كوردستان واستقلالها.
وفي موضع آخر من رسالته، تحدّث أوجلان عن روح “نحن” فيقول: “يجب أن نؤمن بإمكانيّة تعايش الثّقافات والمعتقدات معاً، وأن نتجاوز الأيديولوجيّات القوميّة الضّيقة، وأن نتّحد على أساس الاندماج الديمقراطي… و”يمكننا اليوم أن تندمج على أساس هوياتها الحقيقية، وعندما نترك أمراض القوميّة والطائفية وراءنا ونعزّز ثقافة التضامن التاريخيّة الممتدّة لآلاف السنين بين شعوبنا، فلن يبقى أيّ عائق لا يمكننا تجاوزه…” فلمفهوم “نحن” دلالة مهمة وواسعة في الحركة التاريخية لهذه الأراضي والشعوب، لكن الاقتدارات المنتقاة ضيّقت من سعة هذا المفهوم وتحويله لـ مفهوم الفردية، لكن مفهوم “نحن” الذي يدعو إليه أوجلان هو في الواقع يجسّد “القومية التركية” المحدّثة والمتجدّدة، فمن خلال إزالة الحدود العرقية تحت مسمى “الأمة الديمقراطية”، يُغرق أوجلان الهوية الكوردية في بحر “شعوب الشرق الأوسط”. وهذا يخدم الدولة التركية سياسياً لأنه يُضعف المطالب العرقية للقومية الكوردية.
نعم، بات أوجلان كمستشار استراتيجي للدولة التركية في إمرالي، فمن خلال مطالبته بـ “العودة إلى روح التاريخ” يُبعد الكورد ويقصيهم عن مطالبهم المعاصرة والسياسية، ويُغرقهم في “رومانسية ميزوبوتاميا”. فهذه السياسة المناهضة للحرب مع استمرار الهجمات على مكاسب الكورد وإنجازاتهم لا تُمهد الطريق إلا لسياسات الدولة.
في هذه الرسالة، يسعى أوجلان كما هو دوماً إلى “تصميم وهيكلة” الكورد وفقًا لمصالح تركيا العالمية الشاملة والإقليمية الجديدة. وبهذا، تتحوّل الحركة الكوردية والتي كانت تُعتبر تهديداً خطيراً لوحدة تركيا، إلى “حامي لحدود المعاهدة الوطنية-ميساقا ملي” تحت مسمى “المجتمع الديمقراطي أو الأمة الديمقراطية”.
لذلك، نقول إن رسالة أوجلان بمناسبة عيد نوروز، بدلًا من أن تُصبح صرخة حرية، تبدو وكأنها “معاهدة استسلام” تجاه الحدود المصطنعة القائمة. فبينما تناضل شعوب العالم من أجل استقلالها وسيادتها، يصوّر أوجلان “انعدام الدولة-اللادولتية” و”الأخوة القسرية” على أنهما انتصار ومكسب للكورد!