أقيمت الاحتفالات بمناسبة عيد نوروز عام 2026 في كوردستان والمهجر وكلّ بقعة من العالم يتواجد فيها الكورد، كما تحتفل أمم أخرى أيضاً في الشرق الأوسط بعيد نوروز باعتباره إيذاناً بحلول فصل الربيع؛ لكن نحن الكورد لا نحتفل به كمجرّد عيد أممي أو مناسبة عامة وعادية، بل نباركه كعيد قومي وطني خاص بالكورد. فبالنسبة للكورد، يُعد نوروز رمزاً للانتفاضة ضدّ الظلم والقمع والاضطهاد ورمزاً للحرية والانبعاث. نعم، هو عيد قومي يجسّد لسان حال شعب يصرخ: “نحن لم ننتهي، نحن باقون، ولن ننحي رؤوسنا لأحد”.
كان عيد نوروز لعام 2026 مغايراً لكلّ الأعوام السابقة؛ إذ دوت في أرجاء كوردستان، خلال هذا العيد، وبقوة منعدمة النظير أصداءُ خطا جيل قومي وطني مخلص وشاب، والحقّ أنه عندما ننظر إلى توافد الجماهير إلى ساحات الاحتفال بنوروز، يبرز بوضوح خطّان مختلفان داخل كوردستان. تمثّل الخط الأول في نهج أوجلان وحزب العمال الكوردستاني (PKK)؛ الذين دأبوا لسنوات على استغلال عيد نوروز واحتكاره لهم سواء في أوروبا أو باكور كوردستان-كوردستان تركيا، محوّلين إياه من عيد قومي وطني إلى أداة للدعاية الأيديولوجية وعيدٍ للتنظيم، ومختزلين جوهر العيد وبالتحديد منذ مطلع الألفية الثانية لخدمة مسألة حرية أوجلان!
وقد واصل حزب العمال الكوردستاني السير على النهج ذاته خلال احتفالات نوروز هذا العام أيضاً؛ حيث تواصلت قراءة الرسائل والبيانات من الساعة الحادية عشرة صباحاً وحتى الثالثة بعد الظهر. ومع ذلك، جاءت احتفالات نوروز في مدينة “آمد-ديار بكر” هذا العام أضعف ممّا كانت عليه في الأعوام السابقة. بل انعدمت تقريباً ظاهرة رفع صور أوجلان بين الجماهير في الساحات، في المقابل، ورغم العوائق والعراقيل رفرف علم كوردستان الملوّن عالياً، ليس في “آمد” فحسب، بل في إسطنبول ومناطق أخرى أيضاً.
ولعل أفضل السبل لفهم طبيعة نوروز حزب العمال الكوردستاني بكك تكمن في استقراء وفهم رسالة أوجلان بمناسبة نوروز هذا العام. فقد تضمّنت رسالة أوجلان —التي تجاوزت 1100 كلمة— فقط الحديث عن حرية المرأة وعن (معاهدة وستفاليا 1648) بينما في المقابل خلت تماماً من ذكر كلمتي “كورد” و”كوردستان”. بل إن أوجلان قد عرّف نوروز في رسالته على أنه مناسبة للتهنئة بـ “قيام الشيوعية”، وعرّفها بلا كورد وكوردستان على غرار وخطا المحتلّين المستعمرين طيلة قرن!
ولسنوات عديدة، ونظراً لغياب أي بديل آخر، كان يُنظر إلى المشاركين في احتفالات إحياء عيد نوروز على أنهم من المتعاطفين مع حزب العمال الكوردستاني المناصرين له. غير أن احتفالات نوروز هذا العام قد أثبتت تماماً أن الأمر ليس كذلك وأن هذا افتراضٌ خاطئ بعيد عن الصواب.
فقد برز في كوردستان خط ثانٍ في نوروز هذا العام؛ وهو خط الكوردايتية والكوردستانية.
إنّ إحياء عيد نوروز من قبل منظمة (ڤەژین-VAZHIN) حاملين المشاعل وأعلام كوردستان على جسر مالابادي التاريخي في ئامد-دياربكر ورغم صغر هذه الخطوة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالاتها وذات تأثير بالغ. كما جسّد احتفال نوروز العظيم الذي نظّمه (كونفدراسيون الجالية الكوردية في المهجر- Diaspora) في مدينة بون الألمانية نموذجاً رائعاً لـ “نوروز” الكوردستاني الأصيل؛ ففي باكور كوردستان ورغم الحصار المفروض على هذه المناسبة القومية من قبل الدولة وحزب العمال الكوردستاني بكك على حدّ سواء لسنوات؛ احتفل الكورد بهذه المناسبة رافعين العلم الملون في كلّ مكان.
كما كانت رسالة الرئيس بارزاني بمناسبة نوروز بمثابة مانيفستو كوردستاني؛ إذ وصف الرئيس بارزاني هذه المناسبة صراحةً بأنها “عيدٌ قومي وطني”، وعرّفها بأنها بمثابة خارطة طريقٍ لأجزاء كوردستان الأربعة.
بمعنى، أن كوردستان شهدت احتفالين مختلفين لـ “نوروز”: الأول هو “نوروز أوجلان” البعيد كلّ البعد عن أي طابع قومي أو هوية وطنية والفارغ تماماً عن أي قيم ومبادئ كوردية وكوردستانية أصيلة، والذي كان ذو طابع شيوعي محض. أما الثاني فهو “نوروز البارزاني” الذي جسّد كافة القيم الكوردستانية والذي كان متوشحاً بأعلام كوردستان الملونة ومترنماً بالأناشيد الكوردستانية. فـ “نوروز” هو العيد القومي والوطني الكوردستاني، ومن الجليّ أن الاحتفال بـ “نوروز” الكوردي سيزداد زخماً واتساعاً عاماً تلو الآخر.