في مثل هذا اليوم، وقبل ثلاثة عقود ونصف، لم تكن الجبال مجرّد تضاريس قاسية، بل كانت الشاهد الأخير والملاذ الأوحد لشعب قرّر أن يواجه الموت برداً وجوعاً على أن يعيش تحت رحمة الجلاد المحتلّ. إنها ذكرى “الهجرة المليونية” (كۆڕەو) عام 1991، الملحمة التي هزت ضمير العالم وكشفت عن نزيف الروح الكوردية المستمر.
فإثر قمع النظام العراقي البائد لانتفاضة شعب كوردستان في إقليم كوردستان، وبعد 10 أيام فقط من تحرير قلب كوردستان مدينة كركوك بالكامل، عاد النظام الهمجي ليهاجم مدن كوردستان المحرّرة بقسوة منعدمة النظير مستخدماً كلّ ما لديه من قوة، لكن الشعب الكوردي في إقليم كوردستان صرخ بأعلى صوته أنه حر ويرفض العيش في ظلّ الدكتاتورية بعد الآن، فنزح نحو مليوني مواطن، رجالاً ونساء، شيوخاً وأطفالاً، تاركين مدن وبلدات إقليم كوردستان وكلّ ما يملكون من متاع الدنيا، متوجّهين إلى المناطق الجبلية على الحدود العراقية مع كلّ من إيران وتركيا في أكبر عملية نزوح جماعي في رحلة نحو المجهول فيما سميت بـ «الهجرة المليونية» للشعب الكوردي .
الهجرة كانت سيراً على الأقدام، حيث قطع النازحون مئات الكيلومترات في أراض جبلية وعرة، مرهقين، متعبين، يعانون البرد القارس والجوع والخوف والأمراض، فارّين من بطش وقمع النظام العراقي السابق وآلته الأمنية والعسكرية، التي كانت قد ارتكبت بحقهم في السابق جرائم الأنفال والقصف الكيميائي والإعدامات الجماعية.
وقد تناقلت كل وكالات الأنباء العالمية والفضائيات الصور المأساوية لهذه الهجرة التي عبرت عن رفض الشعب الكوردستاني للدكتاتورية وتوقه إلى الحرية والاستقلال.
وإثر ذلك أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 688 الخاص بإعلان منطقة آمنة للكورد في كوردستان العراق شمال خط العرض 36، وعندها بدأت هذه الملايين البشرية التواقة للحرية والاستقلال رحلة العودة إلى مساكنها وممتلكاتها في مدن وبلدات كوردستان والتي كانت قد تعرضت معظمها للنهب والسرقة من قبل جيش النظام العراقي البائد.
وقد أعقب ذلك طرد جيش النظام من المدن الكوردية بعد عودة المواطنين إليها، واجراء انتخابات تمخضت عنها برلمان وحكومة إقليم كوردستان.