ما يحدث لا يحتاج إلى شرح طويل ولا إلى زخرفة لغوية حتى يبدو فاضحاً. الفكرة ببساطة أن هناك من قرّر، مرة أخرى، أن يتعامل مع الكورد وكأنّهم قابلون لإعادة التعريف، وكأنّ وجودهم مسألة قابلة للتعديل، وكأنّ التاريخ يمكن شطبه بخانة في استمارة. هذه ليست مجرّد زلة إدارية أو خطأ، بل استخفاف متعمّد وفاضح بالكورد ومحاولة لإلصاق صفة “عربي” عليهم قسراً.
هناك مستوى من الغرور في هذا السلوك يصعب تجاهله، غرور يفترض أن الناس يمكن خداعهم بتغيير الكلمات، وأن فرض تسمية ما سيجعلها حقيقة. كأنّ من يقف خلف هذه الممارسات لم يتعلّم شيئاً من كلّ ما سبق، أو ربما تعلّم وقرّر أن يتجاهل. لأنّ الفكرة بحدّ ذاتها قديمة ومستهلكة: إنكار ما هو واضح، ثمّ الإصرار عليه حتى يصبح أمراً واقعاً. الفرق الوحيد أن هذا الأسلوب لم يعد يعمل.
المشكلة ليست أن الكورد يسجّلون بطريقة خاطئة، بل أنّ هناك من لا يزال يرى أنّ له الحقّ في تحديد ما يجب أن يكونوا عليه. هذه هي النقطة العارية التي يحاول البعض الهروب منها. ليست مسألة إجراء، بل ذهنية وصاية. ذهنية تقول: “نحن نقرّر من أنتم”. وهذه أخطر من أي خطأ إداري، لأنها تكشف أنّ المشكلة أعمق من مجرّد ورقة.
من يحاول التقليل من الكورد أو التعامل معهم كهوية يمكن تذويبها، لا يسيء إليهم فقط، بل يكشف ضيق أفقه هو. لأنّ الاعتراف بالتنوع ليس منّة، بل اختبار بسيط لأيّ جهة تدّعي أنها تفهم معنى الدولة. وعندما تفشل في هذا الاختبار، فهي لا تضعف الآخرين، بل تفضح نفسها.
لا أحد يحتاج إلى الدفاع عن هوية راسخة بهذا الشكل، ولا أحد يحتاج إلى إثبات ما هو واضح. لكن عندما يصل الأمر إلى فرض تعريفات قسرية، يصبح الصّمت نوعاً من القبول، وهذا ما لن يحدث. لأن المسألة لم تعد تحتمل هذا النوع من الألعاب المكشوفة.
ما يجري الآن ليس كبيراً في حجمه، لكنه كاشف في معناه. يكشف أن هناك من لم يغادر بعد منطقة الإنكار، من لا يزال يعتقد أن بإمكانه إدارة الواقع بعقلية قديمة، وأن الناس ستتأقلم مع ما يفرض عليها. هذا وهم، والوهم حين يصطدم بالواقع لا ينتج إلا مزيداً من الفشل.
النقطة التي يجب أن تفهم دون نقاش: الكورد ليسوا مادة تعريفية تكتب وتمحى. هم حقيقة قائمة، سواء اعترف بها البعض أو حاول الالتفاف عليها. وكلّ محاولة لتصغيرهم أو تحريفهم لن تغيّر شيئاً في هذه الحقيقة، لكنّها ستترك أثراً واضحاً على من قام بها.
الأمر لا يحتاج إلى تصعيد لفظي بقدر ما يحتاج إلى وضوح: هذا مرفوض. ليس لأنه خطأ فقط، بل لأنه يكشف نية لا يمكن القبول بها. ومن يصرّ على هذا الطريق، عليه أن يدرك أنه لا يواجه مجموعة يمكن الضغط عليها، بل يواجه حقيقة لا يمكن تغييرها مهما كُتبت بصيغ مختلفة.