إذا كان لا بدّ من قولها بلا مواربة، لم تكن المشكلة يومًا في اللغة بحدّ ذاتها، بل في تحويلها إلى أداة لقياس الانتماء. حين تفرض العربية بوصفها الشكل الوحيد المقبول للهوية، ولا تر في التنوع إلا تهديدًا ينبغي ضبطه، أو إعادة تشكيله بما يتوافق مع تصور أحادي للهوية، يصبح الاختلاف موضع شك بدل أن يكون جزءًا طبيعيًا من البلاد.
والمفارقة أن هذه الذهنية، رغم كلّ التحوّلات التي شهدتها سوريا، لم تختف كما كان يأمل كثيرون، بل أعادت إنتاج نفسها بصيغ أكثر مرونة، وأحيانًا أكثر التباسًا.
في كوردستان-سوريا، لا يبدو أن الصفحة قد طويت فعلًا. صحيح أن الشعارات تغيّرت، وأن الوجوه تبدّلت، لكن ما تغيّر على مستوى البنية العميقة؟ هل نحن أمام قطيعة حقيقية مع الماضي، أم مجرّد إعادة ترتيب له؟
لأن المشكلة، في جوهرها، لا تتعلّق بسياسات محدّدة بقدر ما تتعلّق بطريقة التفكير التي تقف خلفها. فعندما تستبدل سياسات الإقصاء بخطابات عامة عن “الوحدة” دون اعتراف صريح بالتعدّد، يصبح التغيير شكليًا. وحين يطلب من جماعة ما أن ترى نفسها داخل هوية لا تعكس خصوصيتها، فإن ذلك لا يعدّ اندماجًا، بل إلغاءً ناعمًا.
قد يقول البعض إن الظروف لا تسمح، وإن البلاد خرجت من حرب معقّدة أنهكت الجميع. وهذا صحيح إلى حدّ بعيد. لكنّ القضايا المرتبطة بالهوية والحقوق لا يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى، لأنّ تأجيلها هو بحدّ ذاته استمرار للمشكلة. فهل يمكن بناء استقرار حقيقي دون معالجة جذور التوتّر؟ وهل يمكن الحديث عن مستقبل مشترك دون اتّفاق واضح على أسس هذا المستقبل؟
المسألة هنا ليست مطالب جزئية أو تحسينات خدمية، بل تتعلّق بأسئلة تأسيسية: من يملك تعريف المكان؟ من يقرّر سردية تاريخه؟ ومن يحدّد ما الذي يعترف به ثقافة وهوية، وما الذي يدفع إلى الهامش؟
هذه الأسئلة ليست جديدة على الكورد في سوريا، لكنّها تعود اليوم بصيغة مختلفة، وكأنّ الزمن يدور في حلقة مغلقة. الفرق الوحيد أن الخطاب أصبح أكثر حذرًا، وربّما أكثر دبلوماسية، لكن جوهر الإشكالية ما زال قائمًا.
وما يزيد من تعقيد الصورة هو أن غياب الاعتراف الواضح لا يترجم فقط في السياسات، بل يتسلّل أيضًا إلى التفاصيل اليومية: في اللغة المستخدمة في المؤسّسات، في شكل المناهج، في تمثيل الهوية في الفضاء العام. هناك دائمًا ذلك الحدّ غير المعلن لما هو “مسموح” وما هو “مبالغ فيه”، وكأنّ الهوية الكوردية مطالبة باستمرار بإثبات شرعيتها.
ليست هذه قراءة تشاؤمية بقدر ما هي محاولة لوضع الإصبع على الجرح. لأنّ تجاهل المشكلة لا يلغيها، بل يرسخها. والتعامل معها كمسألة ثانوية لا يجعلها تختفي، بل يؤجّل انفجارها.
العدالة، في معناها الحقيقي، لا تتحقّق بتغيير الأسماء أو إعادة صياغة الخطاب، بل بالاعتراف الصريح، وإعادة الحقوق، وبناء عقد جديد يقوم على الشراكة لا على الاحتواء. عقد يرى في الاختلاف أساسًا للاستقرار، لا خطرًا عليه.
وربما السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس إن كان هناك تغيير قد حدث، بل إن كان هناك استعداد فعلي للذهاب به إلى نهايته. لأن التغيير الذي يتوقّف عند السطح، ويخشى الغوص في الجذور، لا يكون تغييرًا… بل استمرارية بوجه جديد.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة كما هي: يمكن لسوريا أن تغيّر جلدها مراتٍ عديدة، لكن دون مراجعة للعقل الذي يديرها، ستبقى تدور في الدائرة نفسها… حيث تتبدّل الأشكال، وتبقى الفكرة.