إفلاس الإرادة والاستسلام والخنوع للدولة: إلى أين يقود حزب العمال الكوردستاني وأوجلان الكورد؟

إفلاس الإرادة والاستسلام والخنوع للدولة: إلى أين يقود حزب العمال الكوردستاني وأوجلان الكورد؟

يوم الثلاثاء الموافق 5 مايو/ أيار 2026، أحيا حزب العمال الكوردستاني الذكرى السنوية الأولى لحلّه وفسخه في مؤتمر صحفي بمشاركة مصطفى قره سو وسوزدار أفيستا، خلال المؤتمر أدلى قياديا الحزب ببيان باسم “قيادة الحركة الآبوجية”. تمّت قراءة البيان باللغتين الكوردية والتركية. في هذا البيان، سعى حزب العمال الكوردستاني مجددًا إلى تقديم نفسه وتصويره كالطرف المنتصر والأكثر دراية، لكن في الحقيقة، لا يُعدّ هذا البيان مجرّد اعتراف بالهزيمة والاستسلام، بل هو دليل على استسلام الحزب وانهيار إيديولوجية الحزب وأوجلان أمام الفكر الكمالي والدولة التركية، ماديًا وفكريًا. هذه الحركة، التي رويت بدماء آلاف الشباب الكورد لعقود، أصبحت اليوم أداة سياسية على طاولة إمرالي تُستخدم فقط لحماية حدود تركيا وإنقاذ أوجلان نفسه.

تمّت مباركة قرار حلّ حزب العمال الكوردستاني في عام 2025، اليوم، ذلك القرار الذي جاء نتيجة استسلام غير مشروط للدولة. هذا القرار كان بمثابة الضربة القاصمة لتراب ضرائح أبناء الكورد الذين ضحّوا بدمائهم النقية وأجسادهم الطاهرة من أجل حرية الكورد وتحرير كوردستان، نعم، الحركة التي كانت تزعم قائلة إن “كوردستان مستعمرة” ودعت شباب الكورد للانضمام إلى رفوفها من أجل حرية وطنهم، تسعى اليوم تحت شعار “الاندماج الديمقراطي” إلى صهرهم وإذابتهم في النظام الذي لم يدّخر جهداً في اضطهادهم وإبادتهم طيلة قرن. ضحّى حزب العمال الكوردستاني بما استطاع من شباب الكورد، وكسر إرادة ما تبقّى منهم في الجبال يحملون البنادق على أكتافهم ضدّ طغيان الدولة التركية، أهانهم واذلّهم وأجبرهم على حرق أسلحتهم أمام أنظار العالم، فقط لكسر إرادتهم من جهة، وإثبات عبوديته وخضوعه للدولة خلف شعارات جوفاء كحسن نية تجاه عملية “تركيا خالية من الإرهاب”، متزعّماً بأنّ هذا من أجل السلام! لكن عن أي سلام يتحدثون؟! أي سلامٍ هذا؟! فهذا ليس سلامًا؛ بل هو انحطاط أخلاقي واستسلام مخزٍ للدولة دون تحقيق أي مكسب أو وضع سياسي للشعب الكوردي.

في هذا البيان، أصرّ حزب العمال الكوردستاني على “وضع أوجلان”. وهذا أكبر دليل وأثبت برهان على أن الحزب يسعى جاهداً فقط لـ “تحرير قائده”، ويضحّي بكلّ الإنجازات العسكرية والسياسية للشعب الكوردي في سبيل “شروط العمل الحرّ” لفرد وشخص! وهذا ليس بجديد، فقد حاولت الدولة التركية سابقًا وصف مؤسّسي حزب العمال الكوردستاني أمثال كمال بير، بـ “الآبوجيين” لكنهم عارضوا ذلك ورفضوه بشدّة أمام المحاكم التركية. فلنعد إلى التأريخ ونرى كيف حاولت الدولة التركية أن تحوّل القادة المؤسّسين للحزب إلى آبوجيين لتعزيز مكانة أوجلان وقيادته، لكنهم رفضوا ذلك بشدة.

من كمال بير إلى إمرالي: قصة صناعة الصنم واستسلام الإرادة الكوردية

التاريخ لا يُخفي الحقائق. فعندما اعتُقل كمال بير، أحد الأعضاء المؤسّسين لحزب العمال الكوردستاني، في عام 1981، طلب من قاضي محكمته ألا يصفه بـ “آبوجي” ووقف ضدّ ذلك بشدّة، فقال: “نحن لسنا آبوجيين، هذا الاسم يستخدم عمداً لتشويه سمعتنا وتقليل قيمتنا والإساءة إلينا… لسنا مرتبطين بفلان أو فلان… تسمية (آبوجي) توحي بإخلاصنا وولائنا لشخص، لكنّ إخلاصنا وولاءنا ليس لشخص، لا وجود لـ (لولا آبو لما كان للحركة وجود) فـ آبو مجرّد شخص مثلنا ورفيق في الحركة مثلنا جميعًا”. أي أن أعضاء حزب العمال الكوردستاني لم ينضموا إلى عبد الله أوجلان أو حزبه. بل كانوا ينضمون بدافع حبهم لوطنهم كوردستان…

الحقيقة هي أن كمال بير كان يرى في هذا الواقع خطراً جسيماً يهدّد المستقبل. فقد أدرك كمال بير جيداً أن أي ثورة إذا ما أصبحت حكراً على فرد وملكاً لشخص، فمن السهل أن تتحوّل يوماً ما إلى ملك للعدو. واليوم، يُعد بيان “قيادة الحركة الآبوجية” الصادر في 5 مايو/ أيار 2026، أكبر إثبات وبرهان على أن الدولة التركية حوّلت الخطر الذي كان يشعر به كمال بير، وحوّلته إلى مشروع ناجح لـ “تسليم الكورد”.

بينما الحقيقة التي يتجاهلها العديد من مؤيدي العمال الكوردستاني وأنصاره اليوم هي أن عبد الله أوجلان هو في جوهره كان مشروعاً لـ “الدولة “العميقة” في تركيا، فقد قدّمت الدولة أوجلان وصنعت منه قائداً مزعوماً بشكل مدروس وخطّة مدبّرة ومحكمة، كما ضحّت بجميع الكوادر، أمثال كمال بير وغيره أصحاب إرادةً مستقلة، من أجل خلق “شخصية واحدة” و “إرادة واحدة” لماذا؟ لأن الدولة كانت تدرك جيداً أن السيطرة على ملايين الناس أمرٌ صعب، بينما السيطرة على “فرد واحد” أمرٌ غاية في السهولة.

لم يصل أوجلان إلى هذا المستوى الذي وصله وبلغه بفضل “قيادته” أو “زعامته”، بل بفضل “استعداده التام” لخدمة استراتيجية الدولة. فقد حرّفت الدولة وأخرجت حزب العمال الكوردستاني بفضل أوجلان من الخطّ الكوردستاني وتحويله تدريجياً لحركة نخدم الاندماج والانصهار في تركيا (التتريك).

بهذه العقلية، استخدمت الدولة التركية حزب العمال الكوردستاني كـ “جيش” ضدّ المصالح الوطنية لكوردستان (وخاصةً ضدّ إقليم كوردستان وإنجازات ومكتسبات روجأفا كوردستان)، الحركة التي تحرق أسلحتها أمام الدولة تتحوّل إلى أكبر تهديد في وجه القوى الكوردستانية والحركات والأحزاب الكوردية بتصريحاتها اليومية، وهذا دليل على أن حزب العمال الكوردستاني أصبح “حامي حدود تركيا” وأداةً لمشروع “تركيا الكبرى”.

نعم، يُعدّ بيان حزب العمال الكوردستاني الأخير، الذي يربط كلّ شيء بـ “وضع أوجلان”، أكبر انتصار لجهاز المخابرات الوطنية التركي، فمن خلال إمرالي، تُوجّه الدولة رسالةً إلى الكورد مفادها: “قائدكم بين أيدينا. إذا أردتم حريته، فعليكم أن تتخلّوا عن كوردستان وتصبحوا عبيداً لنا!”.

بهذه الطريقة، جعل حزب العمال الكوردستاني إرادة أربعين مليون كوردي رهينة حرية أوجلان الجسدية. هذه ليست سياسة حرية، بل هي “عملية استسلام” يعمل فيها أوجلان كموظف في جهاز المخابرات التركي. ومن خلال رجل المخابرات هذا، تُبعد الدولة التركية الكورد عن حلم الدولة وتنحّيهم عنه، وتُدمجهم وتصهرهم في “الجمهورية الديمقراطية”.

إفلاس “الآبوجية” والرجوع لحقيقة كمال بير…

أقوال كمال بير اليوم أكثر دلالة ومعنى. مقولته: “أوجلان مجرّد رفيق مثلنا” كانت محاولة لقطع السبيل أمام “التأله السياسي لصنم”. لكن الدولة لم تسمح لهذه العقلية، أرادت الدولة أن يتحوّل حزب العمال الكوردستاني إلى حركة “آبوجية” بحيث إذا أمسكت برأس الأفعى (أوجلان)، تشلّ الحركة بأكملها.

واليوم، يُعدّ حرق الأسلحة وإتلافها وبيانات الاستسلام من قنديل نتاجات مشروع الدولة هذا، لم يعد حزب العمال الكوردستاني يقاتل ويقاوم ضدّ الدولة التركية، بل يقاتل ضدّ أي كوردي ينشد الاستقلال والتحرّر. لماذا؟ لأن استقلال كوردستان يعني نهاية مشروع أوجلان للاندماج الديمقراطي الذي أعدته الدولة.

إنّ مصطلحات “الجمهورية الديمقراطية” و”الاندماج” التي وردت في البيان ما هي إلّا إنكار لحقّ تقرير المصير للشعب الكوردي، فبينما تتّجه جميع الأمم والشعوب في العالم نحو الاستقلال والحكم الذاتي ونيل الحقوق… يعيد العمال الكوردستاني الشعب الكوردي إلى مظلّة “أخوة الشعوب” التي كانت سبباً في الإبادات الجماعية والمجازر والمآسي التي تعرّضت لها شعبنا طيلة مئة عام. هذا التقارب يخدم سياسة حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية “أمة واحدة، دولة واحدة”، ولكن بالشبيبة “الديمقراطية”.

إن بيان الخامس من مايو/ أيار 2026 هذا هو بمثابة اعتراف صريح بأن الحركة الآبوجية سلّمت إرادة الشعب الكوردي للدولة التركية. باعت قضية كوردستان من أجل الخلاص الشخصي وحماية بعض المناصب السياسية. يجب أن يعلم الشعب الكوردي أن الحرية لا تتحقّق بـ “الاندماج” في برلمان أنقرة، ولا بـ “حرق السلاح” دون قيد أو شرط، بل بإرادة قومية وطنية مستقلة.

بهذا التصريح، أثبتت قيادة الحركة الآبوجية أنها لم تعد جزءًا من الحلّ، بل أصبحت جزءًا من السياسات الأمنية للدولة التركية.

ولكيلا يقع الكورد ويسقطوا ضحايا لهذه اللعبة القذرة للدولة العميقة، عليهم كسر صنم “الآبوجية” وطاغوته. وكما قال كمال بير، لا ينبغي أن يكون أحد “آبوجياً”، بل يجب أن يتمتع كلّ فرد بإرادة قومية وطنية مستقلة. إن حرية كوردستان ليست في يد رجل إمرالي، بل في كسر سلسلة الاستسلام وأغلال الخنوع للدولة التي وضعتها في أعناق الكورد من خلال أوجلان.