التحليلات السياسية التي تفتقر إلى أساس تاريخي غالباً ما تُنتج نتائج ناقصة ومتباينة وخاطئة، لا سيما في منطقة ذات توازنات معقّدة ومتشعبة ودقيقة كمنطقة الشرق الأوسط، حيث هناك مساعي ومحاولات لتفسير التطورات الراهنة من منظور اليوم فقط، وهو خطأ فادح في فهم السياق التاريخي. لذا، ولتحليل الأحداث السياسية الراهنة تحليلاً صحيحاً سليماً، من المهم مراعاة الديناميكيات التاريخية والمنعطفات الحاسمة ونقاط التحوّل، ليس فقط في السنوات العشر الماضية، بل وأحياناً في فترات لاحقة. خاصةً عندما يتعلق الأمر بالكورد، فإن الاقتصار على رؤية وتفسير الأحداث اليومية فقط يُفضي إلى عواقب وخيمة كما يفتح الباب على مصراعيه لمحصلات خاطئة للغاية.
في أبريل/ نيسان، مرّ الكورد بنقطتي تحول فاشلتين مخيبتين للآمال. الأولى كانت انتخاب رئيس الجمهورية العراقية من قبل الاتّحاد الوطني الكوردستاني والشوفيين العرب وميليشيات الحشد الشعبي، والثانية تسليم محافظة كركوك من قبل الاتّحاد الوطني الكوردستاني إلى التركمان. ورغم أن بعض الجهات تحاول، عمداً، تصوير هاتين النقطتين على أنهما انتصاران للاتّحاد الوطني الكوردستاني وتحالفاته السياسية، إلّا أن الواقع مختلف تمامًا. ولا يمكن تحليل هاتين النقطتين بمعزل عن السياق التاريخي المذكور آنفًا. ويمكننا تسليط الضوء أكثر على هذا الحدث بتلخيص السنوات الخمس عشرة الماضية تحت عدة عناوين.
هل المشكلة هي الصراع بين الاتّحاد الوطني والحزب الديمقراطي الكوردستاني، أم هي مخطّط إقليمي؟
لطالما ساد سوء فهم يتمحور في تصوير المشاكل والصراعات الداخلية في إقليم كوردستان على أنها صراع بين الاتّحاد الوطني والحزب الديمقراطي الكوردستاني. حتى أن المحاطين بهذه المشكلات وهذا الصراع يسعون لإيجاد حلول صادقة وبنية حسنة، مثل “يجب على الحزب الديمقراطي الكوردستاني تقديم بعض التنازلات، يجب عليه الاتفاق مع بافل…”. لكن الواقع مختلف تمامًا ممّا يبدو.
ما يحدث ليس صراع السلطة بين حزبين، بل هو مخطّط ومؤامرة لمحاصرة الكورد وتدميرهم من الداخل، وهنا، يجب فهم مهام ووظائف كلاً من حزب العمال الكوردستاني والاتّحاد الوطني فهمًا دقيقًا.
محاولات منع قيام عراق كونفدرالي أو الدفاع عن العراق وتجنيبه التقسيم…
أمّا بالنسبة للوضع الإقليمي لكوردستان، فهناك أعظم فرصة لكوردستان مستقلة، أو على الأقل نظام كونفدرالي يتخطّى الفيدرالية، في إقليم كوردستان. فقد رسّخ إقليم كوردستان نفسه كنظام فيدرالي، بل بلغ قوة فاقت النظام الفيدرالي من حيث تراكم رؤوس الأموال والبعثات الدبلوماسية والتوازنات الإقليمية. وقد اعتبرت القوى الإقليمية وبعض المؤسسات الغربية، ولا سيما بريطانيا، هذا الوضع، الذي كان يتبلور كنظام جديد، خطيرًا. وكان هدف هذه القوى استغلال ظروف الربيع العربي لصالحهم، وتشكيل تكتلات لعرقلة تقدم الكورد من الداخل. وقد وقع الاختيار على الاتّحاد الوطني وحزب العمال الكوردستاني لتحقيق هذا الهدف.
دعمت هذه الجبهة المناهضة المعادية لكوردستان، رغم صراعاتها الداخلية، بعضها بعضاً بشكل غير مباشر ومدعوم في عداوتها لكوردستان. وقد صمّم ونُظِّم تحالف الاتّحاد الوطني والعمال الكوردستاني بكك واستخدامهما ضدّ توسيع كوردستان عملياً من قبل إيران، بينما دعمت بريطانيا هذه الخطة على أرض الواقع دون أن تظهر ذلك للعلن.
وحدة الاتّحاد الوطني والعمال الكوردستاني والمناطق الكوردستانية المتنازعة عليها في ظل المادة 140
خشيت إيران، بصفتها القوة الضامنة، من سقوط المناطق المشمولة بالـ 140 في أيدي القوات الكوردية، أي قوات بيشمركة كوردستان، وخاصة بعد انسحاب وهزيمة تنظيم داعش، أي أن المناطق الكوردستانية المتنازعة عليها المشمولة بالمادة 140 بين العراق وكوردستان كانت ستنضمّ فعلياً وواقعياً إلى كوردستان. لذلك، سعت إيران إلى عرقلة قوات البيشمركة وذلك عن طريق نشر قوات حزب العمال الكوردستاني بكك في هذه المناطق. ولهذا السبب، كان التحالف بين الاتّحاد الوطني والعمال الكوردستاني بكك ضرورياً لهذا الغرض.
بعد عام 1999، اتّسمت العلاقات بين الاتّحاد الوطني والعمال الكوردستاني بكك بعداوة متبادلة، وتسبّب الطرفان في مقتل العشرات من بعضهما البعض في حرب قنديل عام 2000، وبقيت العلاقات متوتّرة ومتأزمة للغاية حتى عام 2013. ولم يتمكن كوادر العمال الكوردستاني بكك وفرع التنظيم في إقليم كوردستان (PCDK)، من دخول السليمانية أو المناطق الخاضعة لسيطرة الاتّحاد الوطني. وفي ربيع عام 2014، اتّخذ الطرفان خطوات لتحسين الوضع، حيث عُقدت اجتماعات بين كبار مسؤولي الاتّحاد الوطني والعمال الكوردستاني بكك والمخابرات الإيرانية (اطّلاعات).
كان الضعف قد نخر جسد الاتّحاد الوطني بشكل ملحوظ، فاستسلمت قواتها الرئيسية في مناطق نفوذها لحركة التغيير (گوران). حتى في السليمانية، أصبح الحزب الثاني والقوة الثانية، وقد أطلقت إيران برنامجًا لتقوية الاتّحاد الوطني وتحالفه مع حزب العمال الكوردستاني بكك في إقليم كوردستان.
تمّ نشر وتمركز قوات حزب العمال الكوردستاني بكك في شنگال-سنجار ومخمور بذريعة هجمات داعش، ثم نُفذت الخطة الرئيسية في كركوك. والحقيقة أنه لم تكن هجمات داعش على كركوك بتلك القوة، ولم تكن بنفس شدة هجمات التنظيم في الموصل ومناطق أخرى. ومع ذلك، ونظرًا للأهمية الجيوسياسية لكركوك، تمّ جلب حزب العمال الكوردستاني بكك إلى المدينة ليحل محلّ قوات بيشمركة كوردستان. كانت الدولة الإيرانية هي القوة التي جلبت حزب العمال الكوردستاني إلى كركوك في 9 أغسطس/ آب 2014. فقد اتفقت أجهزة الاستخبارات الإيرانية (اطّلاعات)، نيابةً عن قاسم سليماني، مع جميل بايك ومصطفى قره سو في قرية دولا تويى على نشر القوات المسلّحة للعمال الكوردستاني في كركوك. وباستثناء بعض المواجهات، لم يكن لحزب العمال الكوردستاني مهمة محدّدة في كركوك. رغم ذلك، أعطت إيران دورًا محوريًا لحزب العمال الكوردستاني هناك، حيث كانت قواتها مرتبطة مباشرة بالمحافظين الثوريين من جهة، بينما استقر الحزب في كركوك من جهة أخرى.
بعد كركوك، نُفِّذ المشروع في گرميان وشنگال-سنجار. وأصبح مخيم مخمور كذلك جزءًا من هذا المخطّط، بعد هجوم داعش، كان من المفترض إخلاء المخيم ونقل سكانه إلى مكان آخر قرب أربيل، لكن بأوامر إيرانية، أُعيد سكان مخمور قسرًا إلى المخيم. وبحلول نهاية عام 2014، كانت قوات حزب العمال الكوردستاني متمركزة في معظم المناطق الكوردية التي كان من المقرّر تحديدها عبر استفتاء بين العراق وإقليم كوردستان.
تتمحور المشكلة الرئيسية هنا حول تصوير وتقديم هذا التحالف بين الاتّحاد الوطني والعمال الكوردستاني بكك على أنه وحدة كوردية ومبادرة كوردستانية، لكن الحقيقة هي أنه في جوهره، كان تحالفًا يهدف إلى إسقاط حكومة إقليم كوردستان.
تسليم جميع مناطق تواجد تحالف الاتّحاد الوطني والعمال الكوردستاني بكك إلى العراق
إذا ما تمعنا النظر عن كثب إلى الخريطة الحالية، فسيتضح أن حزب العمال الكوردستاني كان يتمركز على خط خانقين وكرميان ودوزخورماتو وكركوك، ومخمور، والموصل، وشنگال، وسيتّضح أنه كان ينتشر في المناطق الواقعة بين العراق وكوردستان.
ويمكن تفسير هذه العملية على أنها حصار وتطويق مشترك لكوردستان من قبل الاتّحاد الوطني والعمال الكوردستاني بكك.
وإذا استقصينا وحلّلنا الفترة بين عامي 2014 و 2025 على الخريطة، نُلاحظ أن الاتّحاد الوطني والعمال الكوردستاني بكك في تحالفهما المشترك عام 2014، سلّما عموم المناطق الخاضعة لنفوذهما بشكل تدريجي إلى النظام الشيعي في العراق.
أول مثال على ذلك هو شنگال-سنجار. فمن خلال منع قوات بيشمركة كوردستان من دخول شنگال، حوّل حزب العمال الكوردستاني قواته في شنگال أواخر عام 2015 إلى جزء من ميليشيات الحشد الشعبي تحت مسمى وحدات حماية شنگال (YBŞ). والآن، على الرغم من عدم وجود أي قوات كوردية مسلحة في شنگال، إلّا أن هناك جيشاً وميليشيات موالية للنظام الشيعي العراقي.
بدأت عملية كركوك باستفتاء الاستقلال عام 2017. سلّم الاتّحاد الوطني جبهاته ومواقعه في كركوك إلى الجيش العراقي بموجب اتفاق مع النظام الشيعي في العراق وإيران. وعلى غراره أيضاً، كان حزب العمال الكوردستاني بكك يمتلك قوة كبيرة في كركوك، حيث نشر التنظيم نحو 150 من مقاتليه موزعين على ثلاث معسكرات منفصلة في كركوك. وبموجب الاتفاق، سحب الحزب قواته إلى مخمور والسليمانية، وتمّ تسليم كركوك.
في 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، سلّم حزب العمال الكوردستاني مواقعه الاستراتيجية على جبل قره جوخ، خلف معسكر مخمور، إلى الجيش العراقي.
كان الاتّحاد الوطني الكوردستاني يسعى لمنح حقل كولاژو النفطي في منطقة گرميان للعراق، لكنّه تراجع بعد تدخّل حكومة إقليم كوردستان في عهد الكابينة التاسعة للحكومة. ورغم حلّ حزب العمال الكوردستاني نفسه وفسخه تنظيمه الآن، فهو لا يزال يلتزم بتحالفاته وينفّذ تعهّداته تجاه الدولة العراقية والاتّحاد الوطني، ويُعدّ المسؤول الأول والرئيسي عن الأحداث التي وقعت والسبب الرئيسي لضياع وفقدان بعض المناطق الكوردية.
نتيجةً لذلك، ليس من الخطأ القول إن تحالف الاتّحاد الوطني والعمال الكوردستاني بكك الذي بدأ عام 2014 تمخّض عنه تسليم بعض المناطق الكوردية إلى العراق.
منح منصب محافظ كركوك للتركمان تُعدّ المرحلة الأخيرة لهذه العملية
أمّا في كركوك، فلا تقتصر المشكلة على الجانب الإداري فحسب، بل بالهوية الكوردية العريقة لكركوك.
تقول بعض الأطراف (وخاصة الاتّحاد الوطني وحزب العمال الكوردستاني): “هناك وزير تركماني في أربيل، فلماذا لا يكون هناك محافظ تركماني في كركوك؟!” هذا التبرير لا معنى له، لأنهما ليسا الشيء نفسه. فـ أربيل مدينة ذات هوية وكيان معيّن، وهي ضمن نظامها الكوردستاني، وتحتضن جميع الأطياف والمكونات العرقية والدينية، وتمنح الجميع مكانة في الحكم. أمّا كركوك، فهي مدينة كوردستانية مغايرة، ومن الواجب إبراز هويتها الكوردستانية، فتقبّل وجود كركوك هكذا يُزيحها من إطار المادة 140، رغم هذا يسعى الاتّحاد الوطني إلى تصوير عملية تسليم كركوك على أنها أمر طبيعي.
كانت مهمة تحالف الاتّحاد الوطني وحزب العمال الكوردستاني بكك الذي استمر 12 عامًا والذي ذكرناه سابقًا، هي: شنگال ليست كوردستان، كركوك ليست كوردستان، مخمور ليست كوردستان. أي أن هاتين القوتين سلمتا معًا أراضي الكورد وديارهم إلى العراق. وهذا ما نعتبره تدمير الكورد داخلياً.
عندما اندلعت الحرب على إيران، لم تطالب العراق بانسحاب قوات البيشمركة وحكومة إقليم كوردستان من المناطق المشمولة بالمادة 140. أي أنّهم حقّقوا جزءًا هامًا من أهدافهم. كلّ ما يريدونه هو إجبار حركة نضال البارزانيين على الانسحاب وترك الساحة السياسية لهم.
ماذا تكون مهمة بافل طالباني الجديدة؟
من المرجّح أن يلجأ بافل طالباني إلى أساليب غير أخلاقية لتقليص وتقويض كيان إقليم كوردستان تدريجيًا مع مرور الوقت.
إذا نظرنا إلى الأحداث من هذا المنظور ومن هذه الزاوية، ستتّضح دلالتها بشكل أوسع، وأن المهمة الموكلة إلى بافل طالباني الآن ستكون باختصار تجاوز المرحلة الثانية من المعادلة التي تحدّثنا عنها آنفاً.
يمكن تلخيص مهمة بافل طالباني من الآن فصاعداً على النحو التالي: خلال العامين الماضيين، ورغم جميع الفرص الممنوحة له من قبل الديمقراطي الكوردستاني ومنحه المناصب والامتيازات الزائدة عن ثقله الانتخابي في إقليم كوردستان… إلّا أن بافل طالاني عرقل تشكيل الحكومة الجديدة لإقليم كوردستان. كان وكان هذا عملاً متعمداً، كما أنه لم يكن مجرّد قرار من الاتحاد الوطني الكوردستاني. بل قادت إيران هذا المشروع وهذه المبادرة كما ذكرنا آنفاً، وبدعم من بريطانيا. ومن المرجّح أن يلجأ بافل طالباني إلى محاولات أكثر دناءة ولا أخلاقية لتقويض كيان إقليم كوردستان مع مرور الوقت.
بعد إزاحة جميع المظاهر الكوردية والشخصيات الكوردية من ساحة السليمانية، والقضاء على المعارضة بالكامل، يكمن هدف بافل طالباني الرئيسي في فصل السليمانية عن إقليم كوردستان. أي، بعد تسليم عموم المناطق الكوردية المشمولة بالمادة 140 إلى العراق، يُعد هذا مشروعًا لتفكيك إقليم كوردستان من الداخل.
إن قضيتي كركوك وانتخاب رئيس الجمهورية العراقية ليستا انتصاراً للاتّحاد الوطني، بل هي جزء من لعبة صُمّمت لتدمير كيان إقليم كوردستان وهدمه.