في تأريخ الأمم والشعوب، ليست التحوّلات الكبرى هي تلك التي تحدث في ميادين القتال وساحات الوغى، بل هي تلك التي تنبت وتتشكل في العقول والأفكار.
رصاصة واحدة قد تغيّر موازين القوى لبضع سنوات أو لبضعة عقود، ولكن فكرة فلسفية واحدة قادرة على تغيير مصير أمة لعدة قرون.
من هذا المنظور، لا يمكن للمرء أن ينظر إلى «خارطة الطريق» الأخيرة المنبثقة من جزيرة إيمرالي، وما تلاها من أحاديث ونقاشات عن القوانين الإطارية ومأسسة عملية السلام، كأنّها مجرّد مبادرة سياسية عابرة، أو محاولة تكتيكية لفتح باب تفاوض جديد بين الحركة الكوردية والدولة التركية؛ لأن الموضوع هنا يتجاوز التفاصيل السياسية اليومية وأروقة البرلمان، ليمسّ جوهر وجود وفلسفة ذلك السؤال الذي رافق القضية الكوردية على مدى القرن الماضي: ما الذي يريده الكورد في نهاية المطاف؟
سطحياً قد يبدو سؤالاً سهلاً غير معقّد، لكنّه في المضمون هو أخطر وأكثر الأسئلة حساسية في تأريخ الحركة السياسية الكوردية المعاصرة.
لأنّه على مدى عدة عقود مليئة بالتضحيات والقرابين، تَشكّل الوعي والوجدان الجمعي الكوردي حول فكرة مركزية واضحة ومحدّدة: أن هناك أمة كوردية تمتلك جغرافيا تأريخية، وهوية خاصة، ولغة أماً، وذاكرة مثقلة بالثورات، والتشرد والتهجير، والمقابر الجماعية…
من هذا الواقع الحيّ، انطلقت المطالبة بالحقوق القومية القوية كجزء لا يتجزأ من «الحقّ الطبيعي في تقرير المصير» وكانت تُعدّ سيادةً على الأرض.
لكنّ التحوّلات الفكرية والأيديولوجية التي شهدتها الحركة المرتبطة بـ عبد الله أوجلان في العقود الأخيرة، نقلت ثقل النقاش الفلسفي إلى وجهة ومنحى مختلف تماماَ.
لم يعد الحديث عن الدولة الكوردية أو السيادة القومية أو حقّ تقرير المصير يُنظر إليه بالمعنى الكلاسيكي التقليدي المتعارف في أدبيات التحرّر الوطني، بل أصبح محور الحديث حول ديمقراطية الدولة التركية هو الأجندة الطاغية على الحركة السياسية لـ (عبد الله أوجلان)؛ (توسيع فضاء المواطنة وبناء نموذجٍ ما بعد قومي يُعرف بـ «الأمة الديمقراطية»).
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية للسؤال: هل نحن فقط أمام تغيير في الأدوات والوسائل؟ أم أنّنا أمام إعادة صياغة وتغيير للأهداف والغايات نفسها؟