القضية الكوردية في تركيا ليست مجرّد ملف سياسي عالق بين مطرقة الحرب وسندان المفاوضات، بل هي بالأحرى سؤال مؤجّل يمسّ بنيان الدولة ذاتها في الصميم.
سؤال يطلّ في كلّ مرحلة بثوب جديد وأسلوب مغاير، لكنه يحافظ على جوهر ثابت ألا وهو: كيف للدولة أن تستمر في تعريف نفسها، في وقت لا يزال فيه جزء أصيل من مكونها التاريخي خارج هذا التعريف أو يقبع على هامشه؟
فبعد قرن من الصراع المفتوح، لم يعد مقبولاً قراءة المشهد بوجدان الماضي ومنطقه؛ فرغم الحضور الدائم للقمع والعنف المطوّل لم يعودا المحرك الوحيد للقضية، كما أن الإنكار السياسي لم يعد قادراً على إعادة إنتاج ذاك الاستقرار الهش الذي شُيّد عليه طوال مائة عام.
وبين هذين الإخفاقين والخيبتين، تولد مرحلة انتقالية مشوهة ومبتورة: فلا الحرب تصل نهايتها الحاسمة، ولا الحلول والمخارج تلوح في الأفق وتُعلن.
المعضلة والمشكلة لا تكمن ولا تُختزل في مطالب إدارية أو تفاهمات مؤقتة، بل في سؤال الاعتراف ذاته؛ الاعتراف بالهوية كما هي كائنة بالفعل، لا كما يراد صياغتها داخل قالب نمطي جاهز ومعلب. فاللغة هنا ليست تفصيلاً ثقافياً عابراً، بل هي شرط الوجود، والذاكرة ليست مجرّد حكاية تروى عن الماضي، وإنما هي امتداد الحاضر وتدفقه في عمق التاريخ.
حينما يُطلب من هوية ما أن تتخلى عن هذه الأعراق أو تواري حضورها أو تقلّله، فآنذاك لسنا في مواجهة خلاف سياسي أو مشكلة سياسية اعتيادية، بل نصبح وجهاً لوجه أمام أزمة حادّة في تعريف الإنسان داخل كيان الدولة.
لكن هذه المشكلة، في عمقها، تتجاوز وتتعدّى حدود القضية الكوردية المباشرة لتكشف عن حدود نموذج الدولة ذاتها؛ دولةٌ بُنيت على أساس وفكرة “الأحادية”، في وقت يتّسم فيه الواقع المجتمعي بالتعدّدية والتنوع والتشابك الذي يستعصي على الاختزال في هوية واحدة.
من هنا ينبثق التناقض الجوهري والاختلاف الأساسي: صراع بين دولة تتمسّك بتعريف أحادي إقصائي، ومجتمع متعدّد الأطياف لا يمكن ترويضه أو حشره وحصره في تلك الهوية الضيقة إلّا عبر أدوات القهر والتنكيل والعنف النفسي أو السياسي. إن الجديد اليوم ليس في جوهر القضية ومضمونها أو بنيتها، بل في كونها بلغت مرحلة سقطت عنها كلّ الأقنعة والأغطية، وتجلت حقيقتها عارية تماماً أمام الجميع.
الأدوات التي أُدير بها الصراع واستخدمت فيها على مدى قرن من الزمان قد فقدت قدرتها على إنتاج نتائج مستقرة، والاستمرار في ذات المنطق لا يعني سوى إعادة إنتاج الأزمة ذاتها ولكن بأشكال وتجليات مختلفة.
هذا المفهوم يجعل المرحلة الحالية أكثر حساسية: لأنها ببساطة مرحلة تعطّل وفشل الآليات والوسائل والطرق القديمة.
لكنّ التغيير الحقيقي لا يبدأ عند نقطة إيقاف الحرب، بل يتجلّى لحظة إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. وهل تقوم هذه العلاقة على الاعتراف أم الإنكار؟
هل تُبنى على الشراكة أم الهيمنة والاستعلاء؟
وهل يُنظر إلى التنوّع والتعددية بوصفهما ثراءً أم باعتبارهما تهديداً؟
إذ لم تعد هذه الأسئلة ترفاً فكرياً أو مجرّد نظريات، بل غدت شروطاً وجودية لأي استقرار مستدام وممكن.
إن المشكلة الكوردية اليوم ليست مجرّد ملف سياسي مفتوح، بل هي المرآة التي تعكس حدود الدولة ذاتها. وأي تلكؤ أو تأخير في مواجهة هذا السؤال لن يوقف الأزمة، بل سيزيدها عمقاً وتعقيداً في كلّ مرة تعاود فيها الظهور والانفجار.
– الترجمة من الكوردية بتصرّف يسير: موقع “داركا مازي”.