عندما انطلقت شرارة الانتفاضة الشعبية في سوريا عام 2011، سنحت أمام الكورد في روجآفا كوردستان-كوردستان سوريا فرصة ذهبية وتاريخية لتمكين إقليمهم من الانتقال نحو وضع قانوني وفيدرالي شبيه بإقليم كوردستان. ولكن، ونتيجة للاتّفاقيات السياسية التي جرت خلف الكواليس وفي الغرف المظلمة، سُلّمت السلطة بشكل مباشر إلى الأجنحة والكيانات التابعة لحزب العمال الكوردستاني.
وبعد مرور 15 عاماً في ظلّ نظام الحزب الواحد هذا، عندما ينظر المرء إلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي والإداري في روجآفا كوردستان، فإنه يصطدم ببيانات سيئة للغاية. فخلال هذه الفترة الطويلة، وبدلاً من بناء بنية تحتية صناعية أو فتح منافذ اقتصادية حديثة، أو تأسيس مؤسّسات تعليمية مرموقة دولياً وذات صيت وشهرة دولية أو مشاريع استراتيجية للمياه والكهرباء… تمّ إقحام أهالي المنطقة وإغراقهم عمدًا في دوامة منظومة التخلّف والفقر. شعب روجآفا كوردستان الذي يعيش فوق بحر من النفط وخيرات لا تُحصى يعاني اليوم من أجل الحصول على لتر من البنزين أو رغيف خبز رديء بائت، أو دواء أساسي…
هذه الإدارة التي دمّرت الاقتصاد والحياة اليومية، تسير في المجالين العسكري والأيديولوجي وفق نظام مخطّط مدروس للغاية، حيث لم تُبنَ فيه سوى مؤسّسة واحدة وبأحدث الطرق وأكثرها وأحدثها هندسةً، ألا وهي “المقابر الضخمة”. فخلال 15 عاماً، جرى إرسال وتوجيه الآلاف من أبناء الكورد المخلصين الأنقياء الأوفياء، شباباً وشابات ممّن يحملون في صدورهم أحلاماً كبيرة، وتحت مسمى “حروب الدفاع المشروعة” وبشعارات جوفاء، نحو جبهات قتال لم تحمل أي مكسب قومي كما لم تحقّق أي منفعة وطنية لمستقبل كوردستان. دماء الشباب الكورد المقدّسة والزكية هذه، وبدلاً من أن تكون ركيزة لضمان وترسيخ هوية سياسية وإقليمية رسمية، جرى استخدامها من قِبل آلة البروباغندا والماكينات الدعائية لحزب العمال الكوردستاني كوقود لا ينضب لإحياء أيديولوجيتهم المدمرة والمهترئة البالية. غرس الحزب ثقافة موت كهذه في المجتمع بحيث يُحتفى فيها بالتضحية بالبشر وتوسع المقابر باعتبارها “انتصاراً”، في وقتٍ أُهملت فيه وضاعت فيه الحقوق الأكثر أساسية كـ حقّ المواطنة أو حماية الأرض في وجه الاحتلال… على طاولة الدبلوماسية!
إن خط الانتحار والتدمير هذا الذي يُمارس في روجآفا ليس حدثاً مفاجئاً وعابراً، بل هو نتاج مباشر للأوامر السياسية والعسكرية الصادرة من مركز “إيمرالي”. ويشير المراقبون والمحلّلون السياسيون المستقلون بوضوح إلى أن زعيم حزب العمال الكوردستاني هذا، عبد الله أوجلان، يتحرّك تحت السيطرة المباشرة والتوجيه من الاستخبارات التركية (MIT). هذه الأوامر التي كانت تصدر من السجن وتوعز إلى روجآفا، قادت المنطقة -عن وعي وعمد- نحو حرب دائمة وفوضى عارمة منحت أنقرة الذرائع والتبريرات لاحتلال مناطق مثل عفرين، وسرێ کانیێ، وگرێ سپی (تل أبيض)، وقد رأى الجميع بأعينهم كيف تحقّق ذلك واحتُلّت مدن روجآفا كوردستان هذه. إن العمال الكوردستاني بكك بسياسته هذه ضحى بإرث حقبة ذهبية من التأريخ فقط لخدمة التوازنات السياسية للدولة التركية، وإفراغ منطقة روجآفا كوردستان من بنيتها الديموغرافية والقومية. والنتيجة الأكثر عمقاً وفداحة لـ 15 عاماً من هذا الحكم الاستبدادي هي تحطيم الأمل الأخير بالاستقلال، وتهجير الملايين من الكورد الأصلاء من أرض الآباء والأجداد، ومحكومية المنطقة بمستقبل مظلم وضبابي.
أكثر ما يدمي القلب وإيلاماً وحرقة للفؤاد هو أنه على الرغم من معرفة هذه الحقائق، لا يزال هناك من يؤمنون بحزب العمال الكوردستاني وأوجلان، ويرون فيهم قوة كوردية تعمل لمصلحة الكورد! لكن أي شخص ينظر إلى التاريخ سيرى بوضوح أن العمال الكوردستاني وأوجلان يعملون فقط لخسارة الكورد وضياعهم. إن شعارات “المجتمع الديمقراطي، الاندماج، أخوة الشعوب، إلخ…” التي يروج لها العمال الكوردستاني وزعيمه ليست سوى شعارات جوفاء لخداع الكورد؛ مثل هذه الشعارات في الحقيقة لا تمثّل إلّا المطالب الحديثة للدول المحتلة، وخاصة تركيا، وذلك لزيادة استعباد الكورد وقطع السبل أمام استقلالهم.
الترجمة من الكوردية بتصرّف يسير: موقع “داركا مازي”