الخطاب الإعلامي للعمال الكوردستاني بين ازدواجية “أخوة الشعوب” وحقيقة تقويض كيان إقليم كوردستان…

الخطاب الإعلامي للعمال الكوردستاني بين ازدواجية "أخوة الشعوب" وحقيقة تقويض كيان إقليم كوردستان...

مَمد ميرديني

عندما ينظر المرء من منظور أكاديمي وزاوية تحليلية للخطاب الإعلامي في أحدث الأخبار والتقارير الصادرة عن الشبكات الإعلامية التابعة لحزب العمال الكوردستاني بكك بخصوص وضع إقليم كوردستان، فإنّه يواجه تناقضاً جوهرياً وتضارباً بنيوياً ومغالطة بلاغية مخادعة. إذ تتمّ حياكة وصناعة هذه الأخبار بأسلوب يوحي وكأنهم قلقون متخوفون حيال إضعاف بغداد لركائز إقليم كوردستان (النفط، البيشمركة، والمنافذ الحدودية…). لكن، يتّضح من خلال تحليل المضمون العميق أن هذا الحراك الإعلامي ليس سوى استراتيجية مُقنّعة هدفها الأساسي تضليل الرأي العام الكوردي وتغطية حقيقة استراتيجية؛ فإذا كان الوضع الذي يشهده إقليم كوردستان اليوم يُعرَّف بأنه تدهور واضطراب، فإن هذا التدهور في حدّ ذاته هو نتاج ومحصلة السياسات الخاطئة والمدمرة التي ينتهجها حزب العمال الكوردستاني نفسه ضدّ الكورد.

وهنا تبرز وتُطرح الأسئلة الأكبر والأكثر أكاديمية لتكشف الوجه الحقيقي لهذه البلاغة المخادعة: إذا كان الوضع كما تصفونه، أليست هذه هي نفس منظومة “الاندماج” و”أخوة الشعوب” التي دأبتم على تنظيرها لسنوات؟ وإذا كان الهدف هو إضعاف الحدود السياسية والقومية للكورد وتسليم الصلاحيات إلى مراكز مثل بغداد، فلماذا تذرفون اليوم دموع التماسيح على هذه النتيجة والمحصلة؟ إن ثمة ازدواجية إقليمية صارخة هنا: فبينما يدعو حزب العمال الكوردستاني في باكور وروجآفا وروجهلات كوردستان إلى “أخوة الشعوب” والعيش المشترك مع الأتراك والعرب والفرس، فإنه عندما يتعلق الأمر بإقليم كوردستان-جنوب كوردستان، تنهار هذه الأخوة وتتحوّل إلى عداء شديد ولدود وموجّه ضدّ المؤسّسات الرسمية للكورد. هذا الانقسام الأيديولوجي يثبت أن بنية “أخوة الشعوب” لم تُصمم إلا لشرعنة صهر وإذابة الهوية الكوردية داخل الدول المهيمنة والمحتلّة.

جذور هذا الخطّ والنهج التدميري تعود مباشرة إلى الاستراتيجية المشتركة لحزب العمال الكوردستاني والدول الغاصبة المحتلّة (تركيا، إيران، العراق، وسوريا) الرامية لإحباط أي شكل من أشكال الاستقلال والكيان القانوني للكورد. والأدلة على ذلك كثيرة ومتوفرة وتتجلّى في التصريحات الرسمية لزعيم هذا التنظيم، عبد الله أوجلان، الذي أعلن عشرات المرات من “إيمرالي”: “معركتي الأخيرة هي ضدّ بارزاني”. هذا التصريح إلى جانب تصريحاته الأخرى ومواقفه السابقة التي كان يخاطب فيها الدولة التركية قائلاً: “تعالوا لنمنع معاً تأسيس إسرائيل ثانية (في إشارة لإقليم كوردستان)”، تظهر أن الفوبيا الأكبر وأكبر مخاوف هذه الحركة هي تشكّل وإرساء هوية قومية ودولتية كوردية. وفي إطار هذه السياسة الإقليمية، داب حزب العمال الكوردستاني منذ سنوات بتسليم المواقع والأنفاق الأكثر تحصيناً (مثل زاب، گاره ومتينا) سراً للجيش التركي وإخلاء القرى الحدودية، لتسهيل وتقويض ركائز الكيان الفيدرالي لإقليم كوردستان.

وهنا، ينبغي على قيادة حزب العمال الكوردستاني وكذلك الدول الأربع الغاصبة المحتلّة لكوردستان أن يعلموا هذه الحقيقة التاريخية جيداً: إن الكيان والوضع القانوني لإقليم كوردستان لم يأتِ نتيجة اتفاقيات عابرة على الطاولات، كما هو ليس بهدية مجانية ليزول اليوم بسهولة بمثل هذه السياسات القذرة والألاعيب الإعلامية. إن هذا الإقليم هو إرث دماء آلاف الشهداء، وعمليات الأنفال، والقصف الكيميائي، ومقاومة بطولية جسورة دامت لقرن من الزمان. وإن الأحلام والأوهام والتصوّرات التي يحيكها حزب العمال الكوردستاني وأعداء الكورد في مخيلتهم لإسقاط الإقليم، سيأخذونها معهم إلى قبورهم. وطالما بقيت الإرادة المقدسة والحب المقدس لقوات بيشمركة كوردستان والنهج القومي لبارزاني حية على هذه الأرض، فإن النظام الفيدرالي وسيادة إقليم كوردستان سيبقيان كقلعة عصية على الانكسار، وستتحطم على أسوار هذا الإقليم كلّ خطط الهدم ومؤامرات التخريب.