في التاريخ، غالباً ما يوضع القادة والزعماء في خانة التساؤل والشكّ حول ما إذا كانوا قد خدموا قضية شعبهم بالفعل، أم أنّهم عملوا لصالح أجندات ومصالح الأعداء. وعندما نتساءل: “كيف لنا أن نعرّف أوجلان كـ قائدٍ كوردي؟!” فإنّه يتعيّن علينا النظر بتمعّن في كافة الحقائق والمواقف السابقة والحالية له، والتي أصابت الشعب الكوردي بالصدمة والذهول…
بداية الاستسلام
من الناحية التأريخية، تمّ الكشف مراراً وتكراراً عن أن عبد الله أوجلان، منذ لحظة اعتقاله وعودته إلى حضن تركيا، قد تعهّد بخدمة الدولة التركية بإخلاص ومن كلّ قلبه وأقسم على الولاء لها. حيث وعد أمام المحكمة التركية بتجريد حزب العمال الكوردستاني بكك من فاعليته وتأثيره، وإخضاعه لسيطرة الدولة التركية. وقد شكّل هذا الموقف ركيزة أساسية لمرحلة جديدة، تحوّلت فيها الشعارات الثورية التحرّرية إلى اتفاقيات سرية وصفقات مشبوهة أبرمت خلف الأبواب المغلقة.
27 شباط 2025… الوفاء بالوعد وحلّ التنظيم
لسنوات وعقود… ظلّ أوجلان يمهّد الأرضية لتحقيق هدفه هذا. وفي نهاية المطاف، وفي 27 شباط 2025، أوفى بالوعد والعهد الذي قطعه على نفسه تجاه الدولة بشكل كامل؛ حيث حلّ التنظيم وفسخه بكلمتين وباختصار، فقال:
” انتهى نموذجكم-موضتكم، ألقوا أسلحتكم وحلّوا أنفسكم!”
أصدر أوجلان قرار حلّ الحزب-حزب العمال الكوردستاني بكك- هذا في وقتٍ لم يطلب فيه أي مكتسبات ملموسة واقعية أو محدّدة للشعب الكوردي، بل حتّى أنّه لم يطلب أي شيء على الإطلاق مقابل حلّ حزب العمال الكوردستاني بكك! وإنّما قال فقط: “الحلّ هو الاندماج والمجتمع الديمقراطي!”، وهو ما يعني التخلّي عن الحقوق القومية الكوردية، والذوبان والانصهار في بوتقة التتريك والدولة التركية تحت مسمى “الاندماج!”.
نعم، لم يطلب أوجلان أي شيء للكورد مقابل حلّ حزب العمال الكردستاني بكك، لا الفيدرالية، ولا الاستقلال ولا الحكم الذاتي، ولا حتّى إدارة ذاتية، بل ولا حتى أية حقوق ثقافية أو سياسية مهما كانت صغيرة ونزرة… بل علاوة على ذلك، لم يطلب في أي من نداءاته المتعدّدة ورسائله المتتالية الصفح أو الاعتذار من أمهات الشهداء الكورد، بل على العكس تماماً، فمثلما طلب العفو والصفح في عام 1999 من أمهات وعائلات قتلى الجنود الأتراك، فكذلك أعرب أيضاً عن حزنه العميق وأسفه السحيق على بعض الجنود الأتراك الذين فُطسوا خنقاً بغاز الميثان داخل إحدى المغارات والكهوف والأنفاق في إقليم كوردستان.
هل وجّه الكورد هذا السؤال إلى أوجلان؟
حسنًا، أنتم تحلّون الحزب وتفسخونه “في سبيل الله” وبلا مقابل، فماذا تريدون إذن؟! ولماذا وجّهتم عشرات الآلاف من شباب الكورد وأبنائهم نحو الموت المحتوم؟ ولماذا كلّ هذه السنوات الـ 41 من الحرب طالما أنك لا تطالب بأي شيء؟!
أوجلان، في جميع نداءاته منذ بداية ما تُسمّى بعملية السلام -والتي ما زالت الدولة التركية تطلق عليها مسار “تركيا خالية من الإرهاب”- لم يرَ الحلّ والسلام إلّا في إذابة الكورد وصهرهم داخل الدولة التركية (التتريك)، والتخلّي عن الأهداف والحقوق القومية؛ بعبارة أخرى، قال أوجلان: “إن الحلّ يكمن في المجتمع الديمقراطي، الأمة الديمقراطية، والاندماج الديمقراطي!!”.
إعادة بناء الكمالية
ما قام به أوجلان منذ آب 2025 لم يكن وليد الصدفة بتاتاً أو أمراً مفاجئاً، فقد كانت لديه هذه الأفكار منذ عام 2003، عندما قال علانية وبشكل واضح في كتابه الذي يحمل اسم “مذكرات أو كراسات إيمرالي أو ملاحظات إمرالي (بالكوردية Notên Îmraliyê) بالتركية İmralı Notları):
“هناك حالة من الانسداد والجمود في تركيا، ويتعين على الكمالية أن تعيد تنظيم نفسها من جديد؛ ونحن نؤيد ونقبل بإعادة تنظيم الكمالية لنفسها من جديد”.
ما طرحه عبد الله أوجلان كنظرية في عام 2003، حوّله إلى واقع حقيقي عام 2025. فقد بذل كلّ ما في وسعه لإضعاف الموقف الكوردي وموقعهم وتعزيز الخط الكمالي والدولة التركية، دون أن يضمن أو يحقّق للأمة الكوردية-الشعب الكوردي ولو “مثقال ذرّة” من أية حقوق قومية أو يضمن لهم أية مكانة ولو شبراً!
لكن المفاجئة ليست هنا فلا تفاجأوا ولا تتعجبوا، فكيف لأوجلان أن يطالب بأي شيء للقومية الكوردية تلك القومية التي لا يحسب ولا يعتبر نفسه جزءاً منها أساساً…
فـ ألم يكن أوجلان نفسه هو من قال: “لا ينبغي لأي قومي تركي أن يظنّ نفسه تركياً أكثر مني”؟!
ألم يكن هو أوجلان عينه الذي قال في أول حديث له بعد عودته إلى تركيا: “أمي تركية. امنحوني فرصة لأخدم تركيا؟!”.
أليس هو أوجلان ذاته الذي قال: “الترك هم جذع الشجرة والكورد غصن وفرع منها؟!”.
لذا، نتساءل ختاماً: “كيف لنا أن نعرّف آبو كـ قائدٍ وزعيمٍ كوردي؟!!