هناك منظمة تُدعى (KNK) أي المؤتمر الوطني الكوردستاني، في حزيران الجاري (6-7 حزيران 2026) عقد المؤتمر اجتماعه العام الرابع والعشرين، وجّه المؤتمر في بيانه الختامي نداءً للكورد لتأسيس «الوحدة الديمقراطية». كما قرّر توجيه رسالة رسمية إلى الأمم المتّحدة تطالب فيها الاعتراف بالكورد ومنحهم صفة «دولة مراقب».
مسألة كتابة رسالة إلى الأمم المتّحدة باسم الكورد تحوّلت إلى قضية ساخنة مثيرة للحماس والتفاعل الإعلامي، بفضل هذه المسألة استطاع المؤتمر الوطني تجديد صورته وتحسينها. ولكن، ثمة حقيقة راسخة في الحياة والسياسة مفادها: «أفعال المرء هي مرآته، لا أقواله». لذا، فإننا ننظر إلى أفعال وممارسات المؤتمر الوطني الكوردستاني، لا إلى خطاباته وأقواله.
تأسّس المؤتمر الوطني الكوردستاني (KNK) عام 1999 على يد حزب العمال الكوردستاني (PKK)، وما زال المؤتمر حتى يومنا هذا كياناً تابعاً لقيادة الحزب في أوروبا. ظاهرياً قد تبدو هذه المنظمة وكأنّها هيكل مستقل تُديره شخصيات مدنية؛ إلّا أنّها في الواقع تُدار من قِبل قادة في حزب العمال الكوردستاني أمثال: نيلوفر كوج، رمزي قارتال وزبير أيدار. وخلاصة القول هو: (PKK=KNK).
حزب العمال الكوردستاني بكك وزعيمه عبد الله أوجلان لا يُعرّفون الكورد كـ أمة، كما يقول آبو وحزبه إنّ الكورد ليسوا بحاجة إلى دولة؛ بل على العكس تماماً فهم يصفون من يطالبون بدولة للكورد بـ «الرجعيين، والشوفينيين (العنصريين) والملحقين الأذى والضرر بالكورد!».
فهل سبق لأحد قادة (KNK) البارزين أن قال: «نحن لا نتفق مع رؤى حزب العمال الكوردستاني وأوجلان؛ الكورد أمة، ولهم الحقّ في تأسيس دولة أسوة ببقية شعوب العالم»؟! كلّا، لم يقولوا ذلك قط.
تُرى هل قال مديرو (KNK) يوماً: «دعوا الكورد يقرّرون مصيرهم بأنفسهم! وعلى الدول التي تُبقي الكورد تحت سلطة الاحتلال ووطأته أن تعترف بهم كأمة»؟ كلّا، لم يحدث هذا قط…
أم هل يا تُرى طالب المؤتمر الوطني (KNK) ولو لمرة واحدة فقط: «فلتغيّر حدود الدول التي يعيش فيها الكورد، مثل إيران والعراق وسوريا وتركيا؟!» أو طالب برسم الحدود من جديد! الجواب: كلّا.
لذلك نتساءل: أيا تُرى ماذا حدث حتى يُطالب المؤتمر الوطني (KNK) في عام 2026 وفجأة بأن «تعترف الأمم المتّحدة بالكورد كدولة غير قومية، وتقبلهم كعضو مراقب؟!».
السبب في ذلك هو أن حزب العمال الكوردستاني وكيانه الرديف وجدوا أنفسهم في أمسّ الحاجة إلى حملة بروباغندا جديدة ترتكز على الهوية الكوردية؛ فسمعة أوجلان وشعبيته تضرّرتا بشدّة وبشكل كبير إثر ندائه في شباط/ فبراير العام الماضي 2025 والأحداث التي تلته، حتى باتت القواعد الجماهيرية للحزب تتهامس سراً وخفية: «آبو باع الكورد». والحال أن أوجلان والحزب والدولة التركية يدركون تماماً ردود فعل الرأي العام ويتخوّفون منها؛ لأنه في حال خروج الكورد عن خطّ أوجلان، فهم سيتبنون مواقف قومية ويُظهرون نزعات قومية… وللسيطرة على الكورد والتحكّم بهم كان أوجلان بحاجة ماسّة إلى مقاربة كهذه تعبق برائحة الكوردايتي ولو قليلاً؛ ليتمكن من خلالها من كبح وإخماد ردود أفعالهم وتهدئتها.
إن اجتماع (المؤتمر الوطني الكوردستاني (KNK)) المنعقد في حزيران الجاري، بدوافع «الرغبة في فعل شيء ما» على الساحة الكوردستانية، هو تماماً ذلك المؤتمر الهادف إلى تخفيف حدّة ردود الأفعال ووطأتها على كاهل حزب العمال الكوردستاني بكك وأوجلان. كما أن الرسالة الموجهة إلى الأمم المتحدة ليست سوى عزفاً على الوتر القومي ومداعبة مشاعر الكورد وعواطفهم، لكنّها لا تعدو كونها وسيلة لتصحيح صورتهم وتلميعها، أي أن الكورد وكوردستان ليسوا سوى موضوعاً للمزايدة والخداع والتسويق في نظر العمال الكوردستاني وهياكله وكياناته.
ولو كان المؤتمر الوطني الكوردستاني (KNK) صادقاً وجاداً لَطالب أولاً كلاً من تركيا والعراق وإيران وسوريا بالاعتراف بالكورد كمجتمع يمتلك الحقّ في بناء دولته، لا من الأمم المتحدة. بل حتى في رسالته الموجّهة إلى الأمم المتحدة، لم يقل المؤتمر: «الكورد أمة، لهم الحقّ في السيادة والإدارة الذاتية أو تقرير المصير»؛ وإنما اكتفى بتعريف الكورد بوصفهم مجرّد جماعة عرقية-إثنية.
بداية، يجب على المؤتمر الوطني الكوردستاني (KNK) أن يقول لحزب العمال الكوردستاني بكك إنّ الكورد أمة ولهم الحقّ في إقامة دولة. فالتنظيم الأم والمؤسّس لـ (KNK) ينكر أمّية الكورد-الأساس القومي للكورد؛ لذا، الأجدر به أن يتوجّه بمطالبه أولاً إلى تنظيمه الأم قبل أن يبدأ بـ حملاته الدعائية وعروضه البروباغندية، فمن لا يعترفون بالكورد كـ أمة، لا يمكنهم الحديث عن حقوق الكورد بتاتاً.