إلى: البرلمانيين، السياسيين، والمجتمع المدني العراقي…

إلى: البرلمانيين، السياسيين، والمجتمع المدني العراقي...

سمكو عبد العزيز

لا تجعلوا الانسحاب الأمريكي بوابةً لفرض السلطة والهيمنة الإيرانية…

ليست كلّ دولة ترفع علماً مستقلةً، ولا كلّ أرض يغادرها الجنود الأجانب تبقى حرّة. فالاستقلال بمفهومه الفلسفي لا يعني مجرّد خلو الأرض من وجود الآخرين، بل يعني تحرّر قرارها من إرادتهم وهيمنتهم. فقد ينجلي الاحتلال عن الجغرافيا، فيما تبقى التبعية والارتهان راسختين مستمرتين أصيلين في السلاح، المؤسّسات، الاقتصاد والعقيدة السياسية.

إن استهداف وقصف المكتب الخاص لرئيس حكومة إقليم كوردستان ومقرّ إقامة رئيس جهاز أمني، في 17 آب/ أغسطس 2026، لم يكن حادثاً عابراً أو معزولاً، بل كان لحظة كاشفة ومؤكّدة لمسار متراكم خلال الأشهر الستة الماضية؛ ألا وهو أن العراق يملك سيادةً مكتوبة في الدستور، لكنّه لا يملك القوة التي تحميها؛ ويملك حكومة شرعية، لكن قرار الحرب والسلم فيها ما زال مقسوماً بينها وبين ميليشيات وفصائل مسلّحة يرتبط جزء كبير منها سياسياً وعقائدياً بالمشروع الإيراني.

المشكلة ليست مع الشيعة في العراق؛ فهم مكوّن وطني أصيل وشريك مؤسّس في التاريخ والتضحيات. بل تبدأ المشكلة عندما يُجرّد المذهب من فضائه الروحي والوطني ويتحوّل إلى ذراع سياسي لـ “ولاية الفقيه”، آنذاك، يصبح الولاء لطهران أسمى وأقدس من الولاء لبغداد، وتُغلف التبعية للخارج وتُكسى بغطاء ديني مقدّس يمنع الانتقاد والمساءلة.

الهيمنة بثوبها الجديد لا تتطلّب احتلال العاصمة بالدبابات؛ بل يكفي صناعة وتأسيس أحزاب داخل الدولة تحرس مصالحها، وسلاح يتحدّى إرادة الدولة، واقتصاد يعمّق الفقر والحاجة، وخطاب يؤدلج الاستسلام والخضوع تحت مسمى المقاومة والصمود. آنذاك، تبقى المؤسّسات عراقية بالاسم، لكنها تؤدي وظيفة تخدم إرادة غير عراقية.

لهذا، ليس من الصواب اعتبار الانسحاب الأمريكي المقرّر في 30 أيلول/ سبتمبر انتصاراً للسيادة بذاته. فالانسحاب يكون تحرّراً حقيقياً عندما ترثه دولة تملك السلاح والقرار، لكنّه يتحول إلى تسليم واستسلام عندما تحلّ محلّ القوات المنسحبة قوى مرتبطة بمشروع إقليمي. وطالما أن الفصائل الشيعية المسلّحة غير مستعدة لتسليم سلاحها لحكومتها، فإن شروط الاستقلال الحقيقي لم تكتمل بعد.

ومن هنا، نوجّه نداءً تاريخياً إلى البرلمانيين، السياسيين، والمجتمع المدني العراقي: تحركوا سريعاً لإعادة التفاوض على توقيتات وآلية الانسحاب وربط اكتماله بجداول زمنية سيادية واضحة، وحصر السلاح وحسمه بيد الدولة حصراً، وإنهاء الارتباط العسكري بالخارج كلياً، وبناء منظومة دفاع جوي قادرة على حماية العراق وإقليم كوردستان، ومنع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على دول الجوار، وإخضاع كافة القوات والتشكيلات المسلّحة للقانون والدستور.

وإلى أن تتحقّق هذه الشروط وتصبح واقعاً، ينبغي تحويل الوجود الأمريكي إلى شراكة أمنية محدودة ومؤقتة تخضع للرقابة البرلمانية مع الاحتفاظ بحقّ العراق في إنهائها.

هذه ليست دعوة لاستبدال التبعية لإيران بالتبعية لأمريكا، ولا لترسيخ الوجود الأجنبي الدائم، بل هي دعوة لمنع تسليم العراق لإيران تحت شعار تحريره من أمريكا.

فالعراق المستقل في قراره السياسي ليس أمريكياً ولا إيرانياً، ولا سنياً ولا شيعياً؛ بل هو وطن يكون فيه المذهب للروح والوجدان، والسلاح للدولة، والسيادة للقانون، والقرار بأيدي العراقيين وحدهم.

الترجمة من الكوردية بتصرّف يسير: موقع “داركا مازي”.

ملاحظة: المقال يعبّر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي موقع “داركا مازي”.