لنقلها كما هي، من دون تلطيف ولا عبارات تجميلية: إذا كان إقليم كوردستان جزءاً من العراق كما تقول بغداد، فإن هذه الحقيقة يجب أن تظهر في كلّ شيء، لا أن تظهر فقط عندما يتعلّق الأمر بالنفط والمال والمنافذ والحدود.
في عام 2017، وضع الكورد ورقة في صندوق الاستفتاء. ورقة. لا صاروخاً، ولا دبابة، ولا طائرة حربية. ومع ذلك، تحرّكت بغداد، وتحرّكت تركيا وإيران، وعقدت الاجتماعات، وارتفعت التهديدات، وأغلقت الأجواء، واتّخذت إجراءات اقتصادية وسياسية وأمنية، وكأن هولير أعلنت حرباً على ثلاث دول!
وهنا تحديداً يجب أن يكون الكلام واضحاً: لا تقولوا للكورد: لماذا تريدون الاستقلال؟ قولوا لأنفسكم: لماذا لا تريدون أن يشعروا بالحاجة إليه؟ هذا هو السؤال الذي يهرب منه الجميع.
لا أحد يستطيع أن يطلب من الكوردي أن يثق بدولة وهو يرى أن هذه الدولة تتعامل معه بمنطق المصلحة. عندما تحتاج بغداد إلى نفط إقليم كوردستان فهو عراقي، وعندما تحتاج إلى إيراداته فهو عراقي، وعندما تريد التأكيد على وحدة الأراضي فهو عراقي. لكن عندما تستهدف هولير، وعندما تتعرّض مؤسّسات الإقليم للخطر، يصبح المطلوب منه أن يدافع عن نفسه.
وبعدها تستغربون لماذا لا يموت مشروع الاستقلال؟
لا يا سادة، مشروع الاستقلال لا يحتاج إلى من يروّج له، يكفي أن تستمروا في التعامل مع الكوردي بهذه الطريقة حتّى تقوموا بهذه المهمة بأنفسكم.
اليوم، عندما تصل المسيّرات إلى هولير وتستهدف مواقع داخل الإقليم، هناك من يسحب رأسه من الجحر، مترسّماً ببدلته وربطة عنقه، ليخرج في كلّ مرة بالمواعظ نفسها، وبالعبارات ذاتها، وكأنّ شيئاً لم يتغيّر. كلام سمعه الكورد مراراً وتكراراً، حتى باتوا يحفظونه عن ظهر قلب، لا لأنه مؤثّر، بل لأنه يعيد نفسه في كلّ مرة بالحروف ذاتها، من دون أن يتغير فيه لفظ واحد. المواطن الذي يسمع انفجاراً في مدينته لا يحتاج إلى بيان يقول إن الحكومة “تتابع التطورات”. يريد أن يعرف من الذي استهدفه، ولماذا استطاع الوصول إليه، وماذا ستفعل الدولة لمنع تكرار ذلك.
لا تطلبوا من الكوردي أن يكون عراقياً عند الحساب فقط. هذه هي الحقيقة التي يجب أن تقال بلا تردّد وبلا خجل. لا يمكن أن يكون الكوردي عراقياً عندما يتعلق الأمر بالالتزامات المالية، والموارد، والنفط، والحدود، والسيادة، ثمّ يصبح “شأناً كوردياً” عندما يتعرّض للأذى.
والأغرب من ذلك أن بعض الأصوات لا تتعب من مهاجمة إعمار الإقليم. نسمع يومياً من ينتقد الإقليم، ومشاريعه، وعمرانه، وشوارعه، واستثماراته، وطريقة إدارته. لكنّ المثير للتساؤل أنّ كثيراً من هذه الأصوات نفسها تختفي تماماً في رمشة عين عندما تتعرّض كوردستان لهجوم بطائرة مسيّرة!
والذين يصرّون على تذكير الكورد كلّ يوم بأنهم جزء من العراق، عليهم أن يتذكروا هم أيضاً أن حماية هذا الجزء من العراق ليست مسؤولية حكومة الإقليم وحدها.
فالمعلوم، أن الناس لا تبدأ التفكير في الدولة المستقلة لمجرّد أن لديها علماً ترفعه ونشيداً تنشده. مثل هذه الأفكار لا تولد من فراغ، ولا تظهر بين ليلة وضحاها، وإنّما تتشكل عبر سنوات طويلة من التجارب التي يعيشها.
الفكرة تتغذى من الحروب التي عاشتها، ومن الإبادة، ومن مراحل سياسية شعر فيها الكورد أن حقوقهم وحياتهم وأمنهم يمكن أن تصبح في لحظة واحدة رهينة للظروف السياسية وموازين القوى. ولهذا فإن الحديث عن الاستقلال لا يمكن اختزاله في شعار قومي أو رغبة عاطفية في امتلاك دولة. بالنسبة لنا- نحن الكورد، المسألة مرتبطة بسؤال أعمق: كيف يمكن ضمان ألّا تعود التجارب السابقة مرة أخرى؟ وكيف يمكن أن تكون الحقوق ثابتة لا تتغيّر بتغير الحكومات والتحالفات والظروف؟
ولهذا، فإن من يريد أن يفهم لماذا تبقى فكرة الاستقلال حاضرة في الوعي الكوردي، عليه ألّا يبدأ من العلم والنشيد، وإنّما ما مرّ به. لا يمكن فصل موقف الكورد اليوم عن تجارب الأمس. فالكورد لا ينسون بسهولة ما دفعوه من أثمان، ولا يتعاملون مع الماضي وكأنّها صفحة يمكن طيّها بمجرّد تغير الظروف السياسية.
عليه أن ينظر إلى ما عاشه هذا الشعب، وما الذي جعله يصل إلى قناعة بأنّ الحقوق التي لا تحميها مؤسّسات قوية يمكن أن تصبح، في أي لحظة، خاضعة لموازين القوة.