في كوردستان سوريا – يد المجرم أطول من يد القانون!

في كوردستان سوريا - يد المجرم أطول من يد القانون!

بقلم… ماهر حسن

ماذا يحدث؟ ومن يفعل ذلك؟ ولماذا يبدو أن يد المجرم أطول من يد القانون؟ في المناطق الكوردية، كما في مناطق سورية أخرى، يتحدّث الناس عن هذه المخاوف، وعن عائلات وجدت نفسها أمام مطالب مالية وتهديدات لا تعرف كيف تواجهها. كما أن الإنسان في سوريا – بات مضطراً لأن يحرس نفسه بنفسه، وأنّ عليه أن يكون شرطياً وحارساً ومحقّقاً، فيما الجهة التي يفترض أنها تحمل هذه المسؤولية تكتفي غالباً بأن تأتي بعد وقوع المصيبة.

لقد تعب الناس من أن يطلب منهم الصبر على كلّ شيء. صبروا على الحرب، وعلى الفقر، وعلى انعدام الاستقرار، وعلى الخوف. فهل المطلوب منهم الآن أن يصبروا أيضاً على الخطف والابتزاز؟ وهل أصبح على المواطن أن يقبل بأنّ حياته يمكن أن تتحوّل إلى ورقة بيد عصابة أو مجموعة من المجرمين، ثمّ ينتظر أن تنتهي القضية كما تنتهي الأخبار؟

لا. هذا ليس أمراً ينبغي أن يقبله الناس.

والسلطات التي تعتبر نفسها مسؤولة عن الأمن مطالبة اليوم بأن تخرج من لغة التبرير إلى لغة الفعل. لا نريد أن نسمع أن الوضع صعب، ولا أنّ المنطقة حساسة، وأن الحدود واسعة، وأن الفوضى متراكمة ولا أن الإمكانات محدودة، ثمّ يطلب منهم في الوقت نفسه أن يثقوا بأنّ أمنهم مصان. المواطن يعرف كلّ ذلك. وإذا كانت هناك شبكات تمارس الخطف والابتزاز وطلب الفدية، فعلى الأجهزة المعنية أن تبحث عنها وتفكّكها. وإذا كان هناك تقصير أمني، فعليها أن تعترف به وتصحّحه. وإذا كان هناك متورطون، فعليهم أن يحاسبوا، أيّاً كانوا وأيّاً كانت مواقعهم.

أما أن يبقى كلّ شيء في منطقة رمادية، لا يعرف الناس ماذا حدث، ومن فعل، ومن حوسب، ومن أفلت، فهذا لا يخلق الأمن.

الأمن، في النهاية، ليس كثرة الحواجز ولا كثرة الزّيّ الرسمي ولا البيانات التي تصدر بعد كلّ حادثة. الأمن هو أن يشعر الإنسان بأن هناك قانوناً فوق الجميع، وأنّ من يمدّ يده إلى حياة الناس لن يجد الطريق مفتوحاً أمامه. الأمن هو أن يعرف الناس أن الدولة، أو السلطة القائمة على الأرض، لن تتركها وحيدة عندما يقترب الخطر منها. أمّا أن يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف، وأن يضطرّ إلى جمع المال لإنقاذ ابنه، أو إلى الصمت خوفاً من أن يؤدّي الكلام إلى مزيد من الأذى، فهذه ليست صورة أمن، مهما حاولنا أن نسميها بغير ذلك.

ولذلك فإن المسؤولية تقع على عاتق السلطات بصورة لا يمكن التهرّب منها. ليس المطلوب أن تدّعي أنها قادرة على منع كلّ جريمة في كلّ لحظة، فهذا غير واقعي، وإنّما المطلوب أن تتعامل مع هذه الجرائم بالجدّية التي تستحقّها، وأن تحقّق فيها بوضوح، وأن تكشف للناس ما تستطيع كشفه، وأن تلاحق المتورّطين، وأن تضع حدّاً للشعور الذي بدأ يكبر لدى الناس بأن هناك من يستطيع أن يخطف ويبتز ويطلب الفدية ثمّ يختفي في العتمة دون أن تصل إليه يد العدالة.

لقد سئم الناس في هذه البلاد من انتظار نهاية الحرب، وانتظار الاستقرار، وانتظار الكهرباء، وانتظار لقمة العيش، وانتظار أن تعود الحياة إلى شيء من طبيعتها. وما لا يجوز أن يتحوّل إليه هذا الانتظار هو انتظار الخوف نفسه، أن يصبح المواطن جالساً في بيته ينتظر خبراً سيئاً، أو ينظر إلى هاتفه وكأنّه يحمل احتمالاً جديداً للفاجعة.

الحديث عن الخطف والابتزاز وطلب الفدية ليس تشهيراً بمنطقة، ولا عداءً لجهة، ولا رغبة في تضخيم الخوف. على العكس، إن تجاهل هذه الظاهرة هو الذي يسيء إلى الناس وإلى المكان وإلى كلّ من يدّعي أنّه حريص على أمن المجتمع. الاعتراف بالمشكلة هو بداية مواجهتها. الناس لا يريدون وعوداً جديدة، ولا يريدون أن يسمعوا بعد كلّ حادثة كلاماً يهدئ الغضب لساعات. يريدون أن يروا أنّ هناك من يبحث، ومن يلاحق، ومن يحاسب، وأنّ حياة الإنسان ليست شيئاً يمكن اختطافه ثمّ التفاوض عليه في الظلام

فالخوف الذي يعيشه الناس اليوم ليس مجرّد خوف من مجرم مجهول، بل خوف من أن يجدوا أنفسهم وحدهم عندما تقع الكارثة. وهذه ربّما هي النقطة الأكثر قسوة في كلّ ما يحدث، أن يشعر الإنسان بأن عليه أن يتدبّر أمره بنفسه، وأن يحمي أبناءه بنفسه، وأن يجمع المال بنفسه، وأن يفاوض المجرمين بنفسه، ثمّ لا يبقى له من المؤسّسات إلّا انتظار ما ستفعله بعد أن تنتهي الجريمة.

لا ينبغي أن يكون هذا هو معنى العيش في كوردستان سوريا، ولا في أي مكان آخر. ومن حقّ الناس أن يسألوا: من يحميهم؟ ومن يلاحق هؤلاء المجرمين؟ ولماذا تتكرّر مثل هذه الحوادث من دون أن يشعر المواطن بأنّ هناك يداً أقوى من يد الخاطف والمبتز؟