الحركة التي لطالما تغنّت بشعارات “الانتفاضة، المقاومة والانتصار” والتي تغذّت لسنوات طويلة على دماء وأرواح شباب الكورد، وعند قراءة صفحات التاريخ واستحضار الحقائق الميدانية يثبت بما لا يدع مجالاً للشكّ أنها في جوهرها ليست حركة مقاومة قطعاً؛ بل هي حركة استسلام. وتتجلّى هذه الحقيقة اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ فأولئك الذين لطالما قدّموا أنفسهم على أنهم “آبوجيون” ومدافعون عن حقوق الشعب الكوردي، آن الأوان كي يُعرّفوا على حقيقتهم الفعلية العارية ألا وهي أنّهم: ليسوا حركة مقاومة، بل هم “حركة مستسلمين”.
سلسلة الاستسلام في كافة أجزاء كوردستان
على امتداد تأريخه، وبدلاً من حماية أراضي الشعب الكوردي وحقوقه، قام حزب العمال الكوردستاني بكك بتسليم كافة المناطق والمكتسبات للدول المحتلّة لكوردستان. إن سجل هذه الخيانة وهذا الاستسلام حافل وطويل للغاية؛ فقد سلّم باكور كوردستان-كوردستان تركيا بأكمله وأجزاءً من جنوب كوردستان-إقليم كوردستان لتركيا، بينما سلّم روجآفا كوردستان- كوردستان سوريا للنظام السوري، كما سلّم شنگال-سنجار وكركوك للدولة العراقية، وها هم اليوم يسعون لتسليم ما تبقى من إقليم كوردستان بالكامل لإدارة بغداد. وبالنهج ذاته، فهم يهدفون إلى جرّ روجهلات كوردستان- كوردستان إيران لتجرّع المصير الأسود المظلم ذاته وتسليمه لإيران تحت مسمى “الاندماج الديمقراطي” المزعوم.
من كينيا إلى متن الطائرة… تاريخ الاستسلام لـ أوجلان
مسألة الاستسلام هذه وما تبعها من تفريغٍ لمفهوم المقاومة من أي مضمون أو معنى أو قيمة، ليست بالأمر الجديد؛ بل هي جزء متأصّل في حياة وشخصية زعيم هذه الحركة منذ بداياته الأولى. فعندما تمّت محاولة إلقاء القبض على زعيم هذه الحركة في كينيا عام 1999، استسلم بسهولة تامة لقوات الأمن، دون أن يبدي أي مقاومة أو يطلق رصاصة واحدة. بل الأمرّ من ذلك؛ حين طلبت منه حارسته الشخصية المخلصة أن يأخذ مسدّسها، قائلة له: “سيدي القائد، خذ سلاحي-مسدسي، وقاوم ودافع عن نفسك؛ فلا يمكننا الاستسلام بهذه الطريقة والسهولة والذلة”، جاء ردّ أوجلان قاطعاً ومناقضاً تماماً لمفهوم المقاومة ومهيناً لكرامتها: “لن أقاوم بطريقة كلاسيكية!”.
“كانوا يريدونني أن أحمل السلاح وأقاوم بطريقة كلاسيكية غیر أنني لم أقبل…” أوجلان.
موقف أوجلان منذ لحظة اعتقاله يكشف سرّ هذه الحقيقة؛ وكذلك وبينما كان على متن الطائرة متوجّهاً إلى تركيا، ودون أن يتعرّض ولو لصفعة واحدة، قال لعناصر الاستخبارات التركي (MIT) بدافع الخوف ورغبةً في النجاة بحياته: “لا تضربوني، فأمّي-والدتي تركية، وأنا مستعد لخدمة الدولة التركية”. هذه الأقوال والمواقف تثبت بما لا يدع مجالاً للشكّ أن الهدف منذ اليوم الأول لم يكن الدفاع عن القضية القومية-الوطنية وحمايتها، بل حماية مصالحه الشخصية وحدها.
سلسلة الاستسلام هذه تكشف بجلاء أن حزب العمال الكوردستاني بكك وقيادته لم يكتفوا بالابتعاد عن القضية القومية-الوطنية فحسب، بل باتوا يمارسون أبشع أضرب الخيانة تجاه الشعب الكوردي علانيةً ودون أدنى شعور بالخجل، بل الأدهى والأمرّ من كلّ هذا هو أنهم يقدّمون هذه الخيانة للشعب الكوردي على أنها وطنية وتضحية!! بل وأكثر من ذلك، فهم يتّهمون كلّ من ينتقد هذه الحقيقة بالارتزاق والعمالة للمخابرات التركية! في الوقت الذي لم يقم فيه حتّى أي قومي تركي عنصري متطرف بخدمة الدولة التركية بقدر ما قدّم أوجلان من خدمات جليلة للدولة؛ فهو ليس مجرّد مقرّب أو معتمد للمخابرات التركية، بل هو المخابرات ذاتها مجسدةً في شخصه…
لطالما اتُّهم الكثيرون في تاريخ هذا التنظيم بتهم “الاعتراف والعمالة…” ووُصموا بالخيانة؛ غير أنه بات لزاماً اليوم أن ندرك أنّه لا داعي للبحث هنا وهناك عن أشخاص آخرين ووصفهم بـ “المعترف والعميل الأعظم…”، ولم يكن من المنصف أو الصحيح أبداً إطلاق لقب “المعترف الأكبر” على شخصيات مثل شمدين ساكك، فالمعترف الأكبر والخائن الأعظم والمهندس الأبرع والمبتكر لهذا الاستسلام التأريخي هو عبدالله أوجلان نفسه.
إن تنظيماً استغل الموارد البشرية والحيوية لهذا الشعب البائس لسنوات في غايات وأهداف غريبة ومريبة، وانتهى به المطاف بتقديم كلّ إنجازات ومكتسبات كوردستان للغزاة المحتلّين على طاولات المساومة والاستسلام، لم يعد قادراً على إخفاء وجهه الأسود والقبيح والملطّخ بالخزي والعار، على الشعب الكوردي الآن أن يرى حقيقة “حركة الاستسلام” هذه، وأن يتّخذ موقفاً قومياً وطنياً واعياً ومسؤولاً وشجاعاً تجاه سياسة الخيانة والاستسلام هذه…