وصل رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، إلى أنقرة في زيارة رسمية التقى خلالها بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان. وتحمل هذه الزيارة في طياتها دلالات استراتيجية كبرى، حيث يُتوقع أن تسهم في حلحلة عدة ملفات معقّدة، لا سيّما في قطاعي الاقتصاد والطاقة.
هذا ولطالما مثّل إقليم كوردستان ركيزة أساسية في الحسابات التركية، نظراً للمصالح المتبادلة في مجالات الأمن الحدودي والاقتصاد. وتكتسب هذه الزيارة أهمية مضاعفة بالنظر إلى الملفات التالية:
أولاً: الجانب الاقتصادي
ألقت المواجهات العسكرية بين الولايات المتّحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بظلال ثقيلة على الاقتصاد التركي. وتشير تقارير إعلامية تركية إلى أن أنقرة تكبّدت خسائر بلغت 30 مليار دولار خلال شهر واحد من الصراع، مع توقّعات بوصول الخسائر إلى 100 مليار دولار في حال استمرار الحرب.
ولسدّ هذه الفجوة الاقتصادية، تسعى تركيا لتعزيز التبادل التجاري مع دول الجوار، ومن بينها إقليم كوردستان الذي يمثّل شريكاً تجارياً استراتيجياً. ويبلغ حجم التبادل التجاري السنوي بين تركيا والعراق (عبر إقليم كوردستان) نحو 17 مليار دولار، وتطمح أنقرة لرفع هذه النسبة لدعم اقتصادها الداخلي ومواجهة ضغوط المعارضة التي تطالب بانتخابات مبّكرة. لذا، فإن تمتين الروابط الدبلوماسية والاقتصادية مع العاصمة أربيل يمثل أولوية قصوى لأنقرة في الوقت الراهن.
ثانياً: ملف “روجآفا كوردستان” والقضية الكوردية
أثبت إقليم كوردستان مكانته كمرجعية كوردية دولية شرعية، خاصة خلال الهجمات التي استهدفت روجآفا كوردستان-كوردستان سوريا. فقد لعبت القيادة الكوردية في الإقليم، ممثلة بزعيم الشعب الكوردي الرئيس مسعود بارزاني ورئيسي الإقليم والحكومة، دوراً محورياً في حماية هذا الكيان من الانهيار عبر الجهود الدبلوماسية وتوجيه الرأي العام الكوردي عالمياً.
وتدرك تركيا هذا الدور المحوري للإقليم، لذا ترى في أربيل شريكاً أساسياً لترسيخ السلام وحلّ القضية الكوردية داخل تركيا. وتأتي زيارة مسرور بارزاني في وقت تسعى فيه أنقرة لتشريع قوانين لنزع سلاح حزب العمال الكوردستاني ودفع عملية السلام إلى الأمام، حيث يمكن لرؤية ومكانة حكومة الإقليم أن تعطي زخماً كبيراً لهذه الجهود.
ثالثاً: ملف الطاقة والبدائل الاستراتيجية
تسبّبت الحرب الحالية في شلل كبير في إمدادات الطاقة العالمية، وتضرّر العراق وتركيا بشكل مباشر، حيث انخفضت إيرادات العراق النفطية بنسبة 80% نتيجة إغلاق مضيق هرمز. هذا الواقع دفع بغداد للتوجه نحو إقليم كوردستان لنقل نفط كركوك عبر أنبوب “جيهان” المار بأراضي الإقليم إلى الموانئ التركية ثم إلى الأسواق العالمية.
وتشير التوقّعات إلى إمكانية تصدير أكثر من 500 ألف برميل يومياً عبر هذا المسار، وهو أمر حيوي جدّاً لتركيا لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة. وبما أن خط الأنابيب حتى الحدود التركية هو ملك لإقليم كوردستان، فإن موافقة ودعم حكومة الإقليم لهذا الخطوة يمثّل حجر الزاوية في نجاح العملية، وهو ما شكّل محوراً أساسياً في مباحثات إسطنبول وأنقرة.
ختاماً، تمثّل زيارة مسرور بارزاني خطوة استراتيجية نحو تمتين “حلف المصالح” بين أربيل وأنقرة، ممّا يفتح آفاقاً جديدة للاستقرار الاقتصادي والسياسي في منطقة تعصف بها الأزمات.