قوات مكافحة الإرهاب العراقية تداهم المنطقة الخضراء في حملة لمكافحة الفساد والمفسدين…

قوات مكافحة الإرهاب العراقية تداهم المنطقة الخضراء في حملة لمكافحة الفساد والمفسدين...

بدأت السلطات العراقية، اليوم الأحد، تنفيذ أوامر قبض قضائية استهدفت مسؤولين سياسيِّين وحكوميِّين ونواباً وأمنيِّين ورجال أعمال في المنطقة الخضراء، على خلفية ملفات تتعلّق بالفساد واستغلال النفوذ، في ترجمة لتعهدات رئيس الحكومة علي الزيدي بحماية المال العام ومحاربة الفساد بكل أشكاله.

وأفادت مصادر أمنية بأن قوة مشتركة تضمّ جهاز مكافحة الإرهاب والجيش العراقي وأجهزة أمنية مختصة بقضايا النزاهة صباح الأحد، بإغلاق مداخل المنطقة الخضراء المحصنة -التي تضمّ مبنى البرلمان ومقار حكومية وبعثات دبلوماسية- تزامناً مع حملة دهم وتفتيش واسعة طالت منازل نواب وسياسيين ورجال أعمال، والاستثناء الوحيد المتاح للخروج من المربع الحكومي خُصص لحاملي البطاقات الامتحانية، مع إخضاع المغادرين لإجراءات تدقيق صارمة.

وانتشرت بشكل واسع على مواقع التواصل مشاهد المداهمات وسط انتشار أمني مكثف في المنطقة الخضراء.

وأضافت المصادر الأمنية، أن الفرقة الخاصة اعتقلت فجر الأحد أكثر من ثمانية أشخاص، بينهم أعضاء في مجلس النواب، بناءً على مذكرات قبض قضائية تتعلق بملفات فساد مالي وإداري، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن قوة من جهاز مكافحة الإرهاب توغلت في منطقة “الشعب” شمالي العاصمة لتنفيذ مذكرات توقيف مماثلة.

وبحسب مصدر في هيئة النزاهة، فإن من بين المعتقلين:

محمد الكربولي، النائب عن تحالف عزم السني برئاسة مثنى السامرائي.

عالية نصيف، النائبة عن تحالف الإعمار والتنمية برئاسة محمد شياع السوداني.

محمد فرحان الجبوري، النائب عن حزب تقدم برئاسة محمد الحلبوسي.

حسن الخفاجي، النائب المستقل الذي تم انتخابه ضمن قائمة تحالف الإعمار والتنمية.

مضر الكروي، النائب عن تحالف السيادة برئاسة خميس الخنجر.

أيهم مظهر الكروي، نائب في كتلة السيادة.

بهاء الدين النوري، النائب عن تحالف الإعمار والتنمية.

وأشار المصدر إلى أن من بين المعتقلين أيضاً، مثل مثنى السامرائي، رئيس تحالف عزم السني، ومحمد الصيهود، النائب السابق.

ووفقا للمصادر، فإن حملة الاعتقالات لم تتركز على المنطقة الخضراء والشعب فحسب، بل شملت عدداً من المناطق من ضمنها “اليرموك وزيونة والمنصور”.

وتأتي هذه الإجراءات المشدّدة غير المسبوقة، بالتزامن مع تواتر الأنباء عن صدور قائمة ملاحقات قضائية موسّعة تستهدف مسؤولين بارزين، وعناصر حمايات، ورجال أعمال على خلفية اتهامات بالكسب غير المشروع وهدر المال العام. في سياق تعهدات أطلقها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب تسلمه منصبه، أكّد خلالها أن مكافحة الفساد ستكون “معركة الدولة الأولى”، وأن استعادة الأموال العامة ومحاسبة المتورطين تمثّلان شرطاً أساسياً لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

واعتمدت حكومة الزيدي على مجموعة من الإجراءات الجديدة، شملت تعزيز صلاحيات الأجهزة الرقابية والقضائية، وتفعيل أوامر القبض بحقّ شخصيات نافذة، وإعادة فتح ملفات فساد قديمة كانت مجمدة لسنوات، إلى جانب تشديد الرقابة على العقود الحكومية والمشاريع الكبرى.

كما تسعى الحكومة إلى توسيع التعاون بين المؤسّسات الأمنية والهيئات الرقابية والقضاء، بهدف ملاحقة شبكات الفساد التي تعمل عبر مؤسسات متعددة، واسترداد الأموال المهربة إلى الخارج.

وأعلن مجلس القضاء الأعلى الأسبوع الماضي، تفاصيل تطوّرات في قضية وكيل وزير النفط عدنان الجميلي المعتقل على ذمة قضايا فساد، مع صور جديدة من عمليات ضبط أموال ضخمة بلغت أكثر من 100 مليار دينار.

ونقل مجلس القضاء عن قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية قوله، إنّ التحقيقات في قضية “وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية المتّهم الموقوف عدنان الجميلي، أسفرت عن إلقاء القبض على محافظ صلاح الدين الأسبق ومدير الصحة فيها حاليًا رائد الجبوري، بناءً على اعترافات أدلى بها الجميلي أثناء استجوابه”.

وأضاف القاضي المختص، أن “استمرار التحقيقات في هذه القضية ونتيجة للمتابعة الدقيقة لضبط المتحصلات المالية الناتجة عن الهدر الحاصل بالمشاريع المنفذة من المتهم وأطراف القضية، فقد تم في ضبط مبالغ مالية نقدية بلغت أكثر من 67 مليار دينار ومليون دولار، كانت مخبأة في منازل عدد من الأشخاص، وتحت الأرض بعمق أربعة أمتار”.

وأوضح أنّ “العثور عليها تمّ بعد حفر الارض بآليات متخصّصة ليتجاوز مقدار المبالغ المالية التي تمّ ضبطها في القضية مبلغ 98 مليار دينار، و11 مليون دولار”.

كذلك شملت الإجراءات القانونية في تلك القضية “ضبط وحجز 70 عقاراً و21 سيارة حديثة، إلى جانب مصوغات ذهبية تقدر بنحو 3 كيلوغرامات”.

وتمثل الحملة الحالية محاولة لاستعادة ثقة الشارع العراقي، الذي شهد خلال السنوات الماضية موجات احتجاج واسعة احتجاجاً على الفساد وتردي الخدمات والبطالة. ويأمل كثير من العراقيين أن تؤدي الإجراءات الأخيرة إلى إرساء مبدأ المحاسبة، بعيداً عن الانتقائية أو الاعتبارات السياسية.

ويرى محلّلون أن نجاح الحملة لا يقاس بعدد أوامر الاعتقال فقط، وإنما بقدرة الحكومة على تحويل الملفات إلى أحكام قضائية نهائية، واسترداد الأموال المنهوبة، ومنع إعادة إنتاج شبكات الفساد داخل مؤسسات الدولة.

ورغم الزخم الذي رافق انطلاق الحملة، فإن حكومة الزيدي تواجه تحديات كبيرة، أبرزها مقاومة مراكز النفوذ السياسية والاقتصادية، واحتمال توظيف بعض ملفات الفساد في إطار الصراعات السياسية، فضلاً عن الحاجة إلى إصلاحات مؤسسية وتشريعية عميقة تضمن استدامة جهود مكافحة الفساد.

وفي حال تمكّنت الحكومة من الاستمرار في هذه الحملة دون انتقائية أو ضغوط سياسية، فقد تمثل هذه المرحلة نقطة تحول في مسار مكافحة الفساد في العراق، وتفتح الباب أمام إصلاحات أوسع تستهدف إعادة بناء مؤسّسات الدولة وتعزيز ثقة المواطنين بها.