حول تقرير موقع “داركا مازي”: هل زار مظلوم عبدي إمرالي؟!

حول تقرير موقع "داركا مازي": هل زار مظلوم عبدي إمرالي؟!

في 12 مايو/ أيار، نشر موقع (داركا مازي) قسم اللغة الكوردية موضوعاً بعنوان (ما مه‌زلووم عه‌بدی چوویە ئیمرالیێ؟ راستی چیە؟ هل زار مظلوم عبدي إمرالي؟ ما هي الحقيقة؟) ورغم أن الخبر لم يتصدر المشهد السياسي الكوردي ولم يثُر حوله الكثير من النقاش في وسائل الإعلام الكوردية، إلّا أنّه فتح باباً واسعاً للنقاش والجدل في الأوساط الإعلامية التركية.

وردت أنباء حول زيارة مظلوم عبدي وإلهام أحمد لجزيرة إيمرالي ولقائهما بزعيم العمال الكوردستاني بكك، عبد الله أوجلان، وتمّ تقديم بعض التفاصيل حول هذا اللقاء. وقد قامت بعض وسائل الإعلام بتحليل هذا الخبر وفقاً لأجنداتها السياسية الخاصة، بينما ادّعت أطراف أخرى أن الخبر عارٍ عن الصحّة، ونحن كـ هيئة التحرير في موقع (داركا مازي) رأينا من الضروري توضيح هذا الموضوع.

رغم النقاش الهام والجدل الكبير الذي أثير عقب تقرير لموقع (داركا مازي) لم يصدر أي بيان رسمي من الطرفين الرئيسيين (قوات سوريا الديمقراطية “قسد” والدولة التركية). إلّا أن قوات سوريا الديمقراطية “قسد” التي تربطها علاقات جيدة مع مقدّم على شبكة رووداو، دلبخوين داراي، صرّحت من خلاله بأنّ “هذا الخبر غير صحيح” وطالبت بتوضيحات. وقال دلبخوين بإيجاز ووضوح: “لقد تحقّقت من الأمر، والخبر غير صحيح”. لكن دلبخوين بنفسه لم يكن متأكّدًا من إجابته، فاختصر الحديث وأنهاه.

والحقّ أنه حتى لو أصدرت الدولة التركية أو الإدارة الذاتية في روجآفا كوردستان بيانًا ينفيان فيه حصول اللقاء والاجتماع، فهذا لا يعني بالضرورة أن الخبر غير صحيح. ونحن، كهيئة تحرير موقع (داركا مازي) نثق تمامًا بصحة تقريرنا المنشور ولا نشكّ في مصداقيته. وحتى لو نفت الأطراف الخبر، فلا يسعنا إلا أن نفسّر هذا النفي بأنّ وراءه مخطّط لإبقاء القضية قيد الكتمان.

زيارة عبدي لـ إمرالي ومحادثات أوسلو وجهان لعملة واحدة…

لم تنقطع قنوات التواصل واللقاءات بين حزب العمال الكوردستاني والدولة التركية، كالاجتماعات والرسائل قطّ، وتحديداً بعد عام 1999، إذ كانت هناك علاقات سرية عديدة لم تُكشف للعلن والراي العام. ففي عام 1999، زار صبري أوك إمرالي بطائرة هليكوبتر، لكن لم يُعلن عن ذلك لغاية اليوم.

في عام 2006، زار أحمد ترك، ويوكسيل كنج وصبري أوك إمرالي في يوم سبت، لكن لم يُعلن ذلك أيضاً، (ونحن كموقع داركا مازي كشفنا عن الزيارة سابقاً).

وتُعد زيارة عبدي استمرارًا لسلسلة الزيارات هذه. وكما يُقال، لا عيب في التشبيه والمقارنة، فيمكننا أيضاً تشبيه هذه الزيارة بالوجه الآخر لاجتماع أوسلو (وجهان لعملة واحدة).

عُقدت محادثات-اجتماعت أوسلو في 2009، لو قال أحدٌ آنذاك إنّ: مستشار الاستخبارات التركية أمره تانير وهاكان وبعض أعضاء الـ MIT الآخرين قد جلبوا معهم كيلوغرامين من الحلويات-البقلاوة التركية- إلى أوسلو، وتناولوها مع مصطفى قره سو ونوريه كسبير (سوزدار آفيستا) وأعضاء آخرين من حزب العمال الكوردستاني في فندق، لما صدق أحدٌ الأمر! ولكن بالفعل تناولوا معاً البقلاوة وتجاذبوا أطراف الحديث بينهم… بل حتّى العديد من قادة حزب العمال الكوردستاني بكك آنذاك، لم يكونوا على علمٍ بذلك. ولكن، فشلت محادثات أوسلو بسبب خلافات داخل الدولة التركية. ولأنها كانت تسجيلات صوتية، لم تستطع الدولة إنكارها. ورغم ذلك لا تزال حقائق أوسلو مجهولة.

أي أن عدد الاجتماعات التي لم يتمّ الكشف عنها وبقيت طيّ الكتمان يفوق عدد الاجتماعات التي تمّ الكشف والإعلان عنها بكثير.

الأجهزة والمؤسّسات السرية تقوم بإزالة الألغام… ثمّ تتدخّل السياسة…

بعدها كشف أمره تانير، رئيس جهاز المخابرات التركية (MIT)، والمنظّم لاجتماعات أوسلو الغطاء عن هذه المحادثات وقال: “خضنا محادثات أوسلو لمنع الأجانب من استغلال القضية الكوردية وجعلها لقمة سائغة بينما تضطرّ تركيا إلى لعب دور المتفرج فقط… يجب أن نستوعب هذه المجموعة من حزب العمال الكوردستاني… فالأجهزة والمؤسّسات السرية تقوم بإزالة الألغام، ثم تتدخّل السياسة”.

فتصريح تانير يكشف الوضع القائم بالتفصيل، ففي البداية تقوم الأجهزة والمؤسّسات السرية بعملها وتُعقد اجتماعات سرية. ثم يُدلى بتصريحات للرأي العام… هكذا هي حال جميع العلاقات وتقاربات حزب العمال الكوردستاني والدولة التركية.

فهل حلّ أوجلان حزب العمال الكوردستاني بكك وفسخه عبر رسائل مكتوبة فقط؟ كلّا. خلال تلك الفترة، كانت هناك زيارات متبادلة ومكالمات هاتفية عدّة، و هذا ما كان مخفيًا عن الراي العام.

لنفترض أن الأشخاص والفاعلين الذين نراهم هم أنفسهم من في الواجهة، ولكن هناك أمور كثيرة تجري بصمت خلف الكواليس وتبقى طي الكتمان. ففي اجتماع 30 أيار مع أوجلان الذي ظهر للعلن والرأي العام، قال مسؤول بارز في الدولة بخصوص حرق مسألة الأسلحة: “سنوضح بعض الأمور أمام الإعلام والرأي العام لتسريع العملية… بعدها، سندير العملية بصمت وبعيداً عن الأنظار!”.

والمسألة كذلك بالفعل، يتمّ تقديم قشور وبقايا المعلومات لمجرّد تضليل الرأي العام بشأن العملية.

ما المقابل لـ زيارة مظلوم عبدي إلى تركيا؟

إن زيارة مظلوم عبدي إلى إيمرالي مخفية (سريّة) أيضاً. لماذا؟ لأن الوضع في المنطقة معقد، وتركيا لم تتّخذ بعد قراراً نهائياً وحاسماً بشأن موقفها من حزب العمال الكردستاني بكك، في الوقت نفسه، تشهد تركيا صراعًا داخليًا حادًا ومريراً، وإذا تم الكشف عن جميع تفاصيل اللقاءات والاجتماعات على الفور، فإن الشارع الكوردي – الذي يبتعد أساساً عن أوجلان وينأى عنه بشكل تدريجي– ستُفقد السيطرة عليه والتحكّم به بشكل أكبر، لهذا السبب، يحتاج أوجلان إلى الحفاظ على كاريزماته (هيبته القيادية). ولهذا السبب أيضاً، أغلقت الدولة-إيمرالي الباب أمام الإعلام بصدد الزيارات والاجتماعات السرية.

والشيء المثيرة للاهتمام هو أنه وعلى الرغم من أن زيارة مظلوم عبدي إلى إيمرالي كان من المفترض أن تكون القضية الرئيسية على أجندة الكورد وجدول أعمالهم وأن تثير ردود فعل قوية ونقاشات جادّة… إلّا أن الأتراك هم من أبدوا ردود الفعل! إن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) هذه والتي كانت تمتلك هذه القوة الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية الهائلة، قد وصلت اليوم تقريباً من خلال مشروع الاندماج هذا  إلى نقطة باتت تستجدي فيها فقط للإبقاء على اللغة الكوردية وعدم تهميشها، إذا كان عبدي قد ذهب إلى إيمرالي، فذلك لأن أوجلان قد قدّم لتركيا فرصة القضاء على الكيان الكائن في روجآفا كوردستان كهدية وعلى طبق من ذهب، وفي المقابل، ولأنّهم قد وفّروا لأوجلان فيلا، واجتماعات، وهاتفاً، وطبيباً خاصاً وما إلى ذلك، فإنه لا ينبس ببنت شفة ولا يعارض تركيا بتاتاً في عرقلة الكيان الكوردي القائم هناك والقضاء عليه.

توثيقاً لما نشره “داركا مازي”: عُقِد اجتماع بين الـ  (MIT) وقادة بكك بالقرب من قلعة دزه…

نحن كموقع (داركا مازي)، لسنا ضدّ تفكيك حزب العمال الكوردستاني بكك وفسخه وإلقاء السلاح. وكذلك ليست الغاية من أخبارنا عرقلة العملية… إلخ، لكنّنا نرفض أن تقوم مجموعة صغيرة بالتعاون مع تركيا وتقرير مصير الشعب الكوردي عموماً، علاوة على ذلك، نحن ضدّ أن تُعرّف عملية تصفية حزب العمال الكوردستاني وتفكيكه ونزع سلاحه على أنّها حلّ للقضية الكوردية. إن إنقاذ الكورد وتحريرهم من تنظيم مثل حزب العمال الكوردستاني بكك الذي بات كالسرطان ينخر جسد الأمة الكوردية بأسرها، يُعدّ في حدّ ذاته مكسباً تاريخياً للكورد. هذه هي الغاية من أخبارنا. ونكرّرها مرة أخرى: نحن نثق بمصادرنا؛ فالعديد من قادة حزب العمال الكوردستاني ذهبوا إلى إيمرالي، والآخرون سيذهبون أيضاً.

كذلك، نحن في (داركا مازي) نتحدّى (بالدليل): عقد وفد مشترك من المخابرات التركية (MIT) والدولة اجتماعاً مع قادة حزب العمال الكوردستاني في منطقة قريبة من إحدى نواحي السليمانية. كان كلّ من: صبري أوك، بسي هوزات، مصطفى قره سو، وبهزاد جارجل (نديم سفين) جزءاً من الوفد الذي مثّل حزب العمال الكوردستاني في هذا الاجتماع. وقد ناقش هذا الوفد تفاصيل نزول مقاتلي الكريلا من الجبال، وسلّم الوفد سجلات الأشخاص الذين سينزلون من الجبال وإحداثيات مستودعات الذخيرة والأسلحة إلى مسؤولي الدولة التركية. ونحن واثقون من هذه المعلومة تماماً كوثوقنا من معلومة ذهاب مظلوم عبدي إلى إيمرالي ولقائه أوجلان.

وفي النتيجة، وللأسف، اختلطت الحابل بالنابل واختلطت آثار حوافر الخيول بآثار الكلاب فيما يُسمى بـ «العملية». إن الدولة وحزب العمال الكوردستاني بكك يتعمدون تشويه المعلومات وتعتيمها، وفي خضم هذا الغموض والماء العكر وبينما يبحث الجميع عن الحقيقة، تتلاعب مجموعة صغيرة بمصير شعب بأكمله.