الرسالة الأخيرة لعبد الله أوجلان، والتي قُرأت في “مؤتمر الإسلام الديمقراطي” في آمد (ديار بكر)، أظهرت مرة أخرى مدى ابتعاد الخطاب السياسي واللغة السياسية لمركز “إيمرالي” عن المطالب القومية الوطنية الحقيقية والمباشرة للشعب الكوردي.
في رسالته، وجّه أوجلان على غرار الأسلوب الكلاسيكي العالمي التقليدي نفسه لليسارية الكونية، نداءً مفاده “يجب ألا يخدم الإسلام الدول والقوى الرأسمالية”. مثل هذه المقولات العامة والشمولية والنظريات تُطرح في وقتٍ لا يقتصر فيه الخطر الأكبر على دين الكورد، وهويتهم، وأرضهم، ووجودهم من قبل الرأسمالية فحسب، بل يكمن مباشرةً في سياسات الإبادة والصهر والاندماج القسري التي تنتهجها الدول المحتلة لكوردستان باسم الإسلام.
هنا يبرز ويُثار سؤال جوهري: تُرى لماذا لا يقول أوجلان صراحةً وبالمسميات “يجب ألا يصبح الإسلام أداةً لوحشية وبربرية دول تركيا، وإيران، والعراق، وسوريا؟!” ففي الواقع التاريخي واليومي، تقصف طائرات ومسيّرات الدولة التركية قرى روجآفا كوردستان-كوردستان سوريا وإقليم كوردستان تحت شعارات دينية وقومية، بينما من جانبه يُعدم نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية شباب الكورد وأبنائهم وبناتهم باسم “الشريعة”، كما ارتكب نظام البعث البائد في العراق مجازر جماعية بحقّ هذا الشعب تحت مسمى “الأنفال”. وهنا وفي وقت كهذا، فإن استخدام مصطلح “القوى الرأسمالية” بدلاً من الاتّهام والإدانة المباشرة لهذه الدول الأربع المحتلة لكوردستان، يُعدّ محاولة واضحة لصرف الأنظار والتغطية على الأعداء الأكثر فتكاً ومباشرة وعداءً لقضية كوردستان.
إن أسلوب الحماية والدفاع هذا الذي طوّره أوجلان في سجنه على مدى سنوات وعقود بات يواجه يوماً بعد يوم المزيد من ردود الفعل الغاضبة من المثقفين والقوميين الوطنيين المخلصين الكورد؛ إذ يُنظر إليه كـ”لعبة نظرية عقيمة” في وقتٍ تتعرّض فيه المنطقة للحرب والدمار، بينما يقوم زعيم التنظيم وبدلاً من الحديث عن حماية الحدود والكيان القومي (الوضع القانوني/السياسي القومي) للكورد، بنقل الموضوع إلى مستوى عالمي (كوني) وتحويلها لقضية عالمية لحماية مصالح دول المنطقة، ولا سيما أنقرة. هذا الخطاب “الاشتراكي الكلاسيكي” الذي يُحاك على طاولة “إيمرالي”، لا نتاج له سوى تجريد المجتمع الكوردي من التسلّح الفكري في مواجهة التهديدات والمخاطر الأكثر مباشرة والتي تحدث على الحدود وفي المنطقة.