في تاريخ الفلسفة السياسية، برز العديد من المنظرين والمفكرين الكبار أمثال كارل ماركس، لكن فيلسوف القرن الحادي والعشرين الأكبر والأعظم هو بلا شك وبلا منازع هو فيلسوفنا الذي يوزع مُخدّر ومحفّز المعنويات، آلدار خليل. هذا الرجل عمله ليس إدارة الدبلوماسية، بل مهنته وعمله هو خلق حالة من السُّكر والانتشاء-النشوة العميق لدرجة تجعلكم ترون أكبر هزيمة وكأنها انتصار تاريخي! فعندما تتراجع وتنهار منظومة “الإدارة الذاتية” على أرض الواقع في كلّ مكان، وتضيع وتخسر القرى والمدن، وتصل الأزمات إلى ذروتها، يظهر آلدار أمام الكاميرات؛ بشعره السكري، ووجهه البشوش المشرق، وبعض العبارات والشعارات الرنانة كـ “المقاومة الفولاذية” و”تكتيك القرن”…، فـ يخمر عقول الناس ويُسكرهم تماماً حتى لتظن أنّنا قد دخلنا للتو إلى قلب أنقرة وغرسنا علم كوردستان هناك!
هذه المنظومة القائمة على النشوة والإسكار تعمل بطريقة تجعل من مفهوم “الهزيمة” لا وجود له في قاموسها، حتّى إذا أقبل جيش واستولى على المدن وانتزعها من أيديهم مدينة تلو الأخرى، فهذا ليس انسحاباً ولا تقهقراً؛ بل هو “إستراتيجية انتشاء-إسكار العدو وجرّه إلى الفخ”! أي أن الخطة تقضي بأن نترك العدو يحتل جميع المدن، حتى إذا توغّل وتغلغل في الداخل، يتشتت عقله ويصيبه الذهول من عمق الأرض وعظمة المنطقة، فيتوقف ويضيع في وسط ذهوله! هذه في الأصل خطة عظيمة عميقة جداً بحيث لم يفهمها خبراء العالم العسكريون في العالم بعد.
لكن الأندر والأغلى قيمة هو المنظومة الرياضية للاقتصاد لـ آلدار خليل نفسه. هذه المنظومة التي خلقها وابتكرها في غمرة النشوة السياسية يجب أن تُدرّس كمادة في جامعتي هارفارد وأكسفورد. قراءته الإقليمية بسيطة للغاية: عندما تضيع وتفقد مدينة أو محافظة، فليس هناك داعٍ لأن تتحمّل الإدارة الذاتية مصاريف وتكاليف الكهرباء، وأدوية المستشفيات، ومياه الشرب، ورواتب الموظفين في تلك المدينة والمحافظة. بقيت المستشفيات والمدارس للطرف الآخر؟ لا تكترث ولا داعي للقلق، لقد خفّ حملنا!
فكلّما قلّت المدن وتقلّصت، ازدادت الميزانية المتبقية في يد الإدارة، وأصبحت المصاريف والفواتير صفراً، ونتجه ونتقدّم بسرعة نحو القمة. ووفقاً لهذا المنطق، إذا خسرنا قامشلو وكوباني وعامودا بالكامل أيضاً، فإنّنا سنصل إلى أقدس مراحل “الاشتراكية النقية”. في تلك المرحلة، لن تبقى هناك أي منطقة، ولا موظفون، ولا رواتب لتتحمل الإدارة الذاتية أعباءها على كاهلها. لذلك، عندما تضيع ونخسر محافظة أو مدينة جديدة، يجب على الشعب الفقير البائس الواقع تحت تأثير هذا السُّكر والانتشاء، وبدلاً من الحداد وإقامة العزاء… قرع الطبل والزرنا في الحال؛ لأن اقتصاد الثورة قد خطا خطوة أخرى نحو الانتصار الأكبر والنصر الأعظم!
“النشوة الثورية” وطاولة بازار أنقرة
مشكلتنا الكبرى هي أن شعب روجآفا كوردستان هذا لم يستقر تماماً بعد في حالة الانتشاء والإسكار هذه، فهو عديم الصبر ويرى كلّ شيء في منظور ضيق. عندما رأوا منظومتهم التي بُنيت بدماء آلاف الشباب الكورد تتّجه بشكل تدريجي وببطء نحو الفناء في عامي 2025 و2026 تحت مسمى “عملية الحلّ”، بدأوا بالتذمّر والشكوى ويقولون: “استشهد أطفالنا، وضاعت أرضنا!”. يا أعزائي، عندما يسكر النظام السياسي ويثمل بالخطابات والكلمات، فهل يملك آلدار ورفاقه الوقت للاستماع إلى تفاصيلكم الصغيرة والبسيطة هذه؟ فـ فلسفتنا أعظم وأكبر بكثير!
هدفنا الأسمى والأقدس ليس بناء كيان في روجآفا؛ بل الهدف والغاية هو أن يتوجّه شباب روجآفا كوردستان إلى جبال باكور كوردستان-كوردستان تركيا ليصبحوا ضحايا وقرابين هناك داخل الأنفاق والمغارات؛ لكي تبقى طاولة البازار بين باخجلي وأوجلان في أنقرة حامية ملتهبة! وهل هناك فخر أكبر لقروي من عامودا أو الحسكة من أن يُهدم بيته، ولكن في مقابل ذلك تتقدم “سياسة الاندماج” في تركيا، ويصدر لنا قانون عفو وتوبة وندم جديد كلّ عامين؟ هذه هي السياسة العميقة للقرن! عندما تسكر وتنتشي وسط الأحلام والخيال والأوهام، فإنك تقدّم عزّة وكرامة كبيرة لخط “القيادة” ونهجها ليظهر في كلّ مرة كمهندس للسلام!
العلاج الأفضل: الانتشاء بخطاب أو بيان مدته 3 دقائق!
وختاماً، فإن العلاج الأكثر فلسفية والأشد تأثيراً وفعالية ضدّ أي نوع من الأزمات، والجراح، والجوع، هو خطابات وتصريحات آلدار خليل نفسه، والتي تُسكر عقول الناس كالمشروبات الكحولية. فليكن ما يكن، انهارت المنظومة الدفاعية! تمّ التضحية بكيان المنطقة! تشرّد الشعب ونزح!… لا تقلقوا! سيتحدث آلدار الآن عبر ميكروفون التلفاز، ويزيد من “سكرتكم ونشوتكم” ببعض الكلمات والعبارات السحرية كـ “الخطوة التاريخية”، “التكتيك الفولاذي”، و”نضال القرن”، لدرجة تجعلكم تخجلون من أنفسكم بسبب تجرؤكم وطلبكم الخبز أو الكهرباء من الإدارة!
عندما تتحول الأسطورة السياسية إلى مخدّر لعقل الإنسان، تصبح الحقيقة على الأرض مجرّد حلم. ولا يسعنا إلّا أن نهنئ من أعماق قلوبنا هذه القدرة الفريدة على “إسكار المجتمع وانتشائه” وتخديره، والتي تستطيع من وسط كلّ انهيار وهزيمة أن تولد “مانيفستو (بيان) انتصار كبير” وتنقذ شعبها من عبء الحياة الثقيل!
الترجمة من الكوردية بتصرّف يسير: موقع “داركا مازي”