مؤخّراً… تشهد السياسة في إقليم كوردستان فصلاً جديداً من مسرحية تتّسم بالوقاحة والصلافة، والمتاجرة، والاستسلام والتبعية المطلقة. الاتفاق المبرم في الآونة الأخيرة بين رئيس حراك الجيل الجديد (نەوەی نوێ) شاسوار عبد الواحد، ومتزعّم الاتّحاد الوطني الكوردستاني (اليكيتي)، بافل طالباني، ليس مجرّد اتفاق سياسي عادي عابر على الإطلاق؛ بل هو بمثابة شهادة وفاة لحركة كانت تزعم وتدّعي يوماً أنها كانت “تقدمية” و”معارضة”. هذا الاتفاق، الذي وُلد ميتاً وجثةً سياسية هامدة، كان بمثابة طعنة غائرة وجرحٍ عميقٍ في قلوب مؤيّدي وأنصار حراك الجيل الجديد، أولئك الأنصار والمريدين الذين ركضوا لسنوات خلف هذا الحراك على أمل تغيير النظام السياسي الحالي لإقليم كوردستان أو تحسينه، لكنّهم استيقظوا اليوم على وقع وصخب مزاد دنيء على أصواتهم تُباع في بازارات السليمانية السياسية مقابل حفنة مصالح شخصية ضيقة لزعيم هذا الحراك.
بداية، من الضروري إدراك أن هذا الاتفاق أُبرم بالكامل تحت وطأة الضغوط، والتهديدات، والإملاءات المفروضة من قبل بافل طالباني. فـ شاسوار عبد الواحد، الذي كان حتى الأمس القريب يدعو للانقلاب والثورة عبر شاشات قناته (NRT) ويصف الاتّحاد الوطني الكوردستاني بأنهم “مرتزقة-جحوش، عصابات، ومهربون، ونهّابو السليمانية…” انحنى اليوم راكعاً أمام إرهاب بافل وفي ظلّ خوفه ورعبه. أثبت زعيم الاتّحاد الوطني أنّه لا توجد حركة أو حراك سياسي في السليمانية يمكنه الحياة والبقاء خارج إرادة عائلة طالباني. وقد تخلّى شاسوار عن كلّ شعاراته السابقة ونسيها وتنازل عنها وخنع للسلطة العسكرية لبافل طالباني هناك راضخاً لكل أوامره ورغباته السياسية من أجل حماية مصالحه الاقتصادية، وشركاته التجارية، ومشاريعه الاستثمارية مثل “جافي لاند” من غضب الاتّحاد الوطني.
لكن الأكثر صلافة وتهكّماً ومثيراً للسخرية وكوميدية في هذه المسرحية برمتها، هو التصريحات التي أدلى بها شاسوار عبد الواحد عقب احتجازه واعتقاله بفترة قصيرة؛ حيث حاول تبرير هذا الاستسلام بمقارنة نفسه بقادة وزعماء عالميين تاريخيين على غرار نيلسون مانيلا أو تشبيه ذاته بعبد الله أوجلان! وزعم شاسوار وفق حججه الواهية ومبرّراته غير المقنعة أن أولئك القادة أبرموا أيضاً اتفاقيات وتفاهمات داخل السجون، واصفاً ما قام به بأنه “نهج استراتيجي”. هذه المقارنة الخبيثة والمبتذلة والبغيضة شكّلت إهانة صارخة وسافرة ومخجلة للتاريخ وللعقل البشري.
ولكي تتّضح خيوط مسرحية شاسوار هذه، لا بدّ من أن نتساءل: على أي خلفية اعتُقل نيلسون مانديلا، وفيمَ اعتُقل شاسوار؟ قضى مانديلا 27 عاماً من حياته في سجن جزيرة روبن؛ ولم يُعتقل بسبب بيع شقق سكنية، أو قروض بنكية، أو من أجل أرباح شركات استثمارية طائلة. ناضل مانديلا وحارب وكافح ضدّ أعتى نظام فصل عنصري في العالم (الأبرتهايد) من أجل كرامة وشرف وحرية ومساواة شعبه. بينما على نقيضه، اعتُقل شاسوار عبد الواحد بسبب ديون شركاته، وقضايا احتيال واختلاس، وعدم سداد مستحقات وديون المساهمين والمستثمرين في المشاريع الاستثمارية، وتهم مالية وجرائم اقتصادية وشخصية بحتة. لم يكن سجنه وزنزانته مكاناً للكرامة القومية والمجد الوطني؛ بل كان غرفة احتجاز بسبب أزمات تجارية وصفقات سرية مع بافل. فيا تُرى: كيف يمكن للمرء أن يضع تاجراً أثرى ثراءً فاحشاً على حساب جيوب الناس واعتُقل بسبب الديون، في كفة واحدة مع أيقونة عالمية بحجم مانديلا؟!
كذلك، إذا تمعنا النظر في مقارنته نفسه بأوجلان، فإننا سنجد أنفسنا أمام نفس المعضلة من خط الإفلاس والاستسلام. وهنا شاسوار محقّ في كلامه بل أصاب كبد الحقيقة من حيث لا يدري؛ فكلاهما وجهان لعملة الاستسلام، وإن كان الفرق بينهما يكمن فقط في مستوى الصفقة وعنوان الجهة التي يقدمان لها العمالة والخدمة. فـ أوجلان عندما اعتُقل عام 1999، أعلن منذ اللحظة الأولى في جزيرة “إيمرالي” إفلاسه الأيديولوجي، وتراجع عن خط الاستقلال، وبتصريحات من قبيل: “أنا مستعد لخدمة الدولة التركية، وأمي أيضاً كانت تركية”، استسلم تماماً ليعود إلى خدمة النظام التركي وحماية حدود الدولة. وبهذا الاستسلام، سلّم أوجلان حركته ومستقبل شعبه لإرادة الجمهورية التركية وخدمتها.
وعلى خطاه وبنفس النهج، يسير شاسوار عبد الواحد اليوم، ولكن بنكهة طبيعية (محلية)؛ حيث سلّم كلّ شيء للاتّحاد الوطني وبافل طالباني. فإذا كان أوجلان قد تحوّل إلى أداة لخدمة استراتيجيات الدولة التركية لحماية حياته الشخصية في إيمرالي والبقاء على قيد الحياة، فـ شاسوار تحوّل إلى موظف يأتمر بأمر آسايش الاتّحاد الوطني لحماية ثروته وشركاته وتجارته. فكلاهما تخلّيا نتيجة الاعتقال عن جميع الشعارات والقضايا التي كان الناس يسير خلفهما لأجلها؛ لكنّ أحدهما جعل نفسه خادماً لجبهة أنقرة، بينما الآخر جعل نفسه وحراك الجيل الجديد في خدمة جبهة “دباشان” وبافل طالباني.
الحقيقة هي أن هذا التحالف بين حراك الجيل الجديد والاتّحاد الوطني هو بمثابة إعلان رسمي للإفلاس السياسي لشاسوار عبد الواحد. فحراك الجيل الجديد “نەوەی نوێ” الذي كان يُرى يوماً ما كبديل للنظام السياسي الحاكم في كوردستان، أصبح الآن – تماماً كحال حزب العمال الكوردستاني في مرحلة ما بعد إيمرالي – مجرّد جناح للنظام السياسي وأداة طيعة بيد الاتّحاد الوطني. هذه الضربة القاصمة للظهر التي وجّهها شاسوار لثقة الشعب، ستظل ذكرى خالدة في التاريخ السياسي لكوردستان كأبشع مثال على بيع إرادة الشعب.
فشوارع وأزقة السليمانية باتت تدرك الآن أن قناع “مانديلا المزيف والخدّاع” قد سقط؛ ولم يتبقَ خلف هذا القناع سوى متزعّم شعبوي جبّان وخائف رعديد سارع عند أول بادرة ضغط – كغيره من النماذج الهشة في التاريخ – إلى إعلان توبته، وهرع إلى قصر من كان يصفهم بالأمس بـ “الجحوش والعصابات…”.
الترجمة من الكوردية بتصرّف يسير: موقع “داركا مازي”.