بعد إعلان النتائج الرسمية للانتخابات العراقية… ما الذي ينبغي على الاتّحاد الوطني الكوردستاني فعله؟

بعد إعلان نتائج الجولة السادسة من الانتخابات البرلمانية العراقية. فسّرنا الانتخابات من منظور عراقي. والنتيجة كانت تعزيز قوة ومكانة الميليشيات التابعة والولائية لإيران، ممّا يعني ازدياد النفوذ الإيراني في العراق وتزايد تأثيرها عليه، وسنرى في الأيام المقبلة ما ستفعله الولايات المتّحدة والتي أصدرت العديد من التصريحات الحادة وشديدة اللهجة بشأن الميليشيات الشيعية.
نتائج الانتخابات ومواقف الأحزاب اللاحقة هي من ستحدّد وترسم مستقبل العراق. هذا الوضع الحساس للنظام الشيعي في العراق، الذي انتهج استراتيجية عميقة لإلغاء فيدرالية كوردستان على مدى العقد الماضي، سيحدّد أيضًا مستقبل الكورد، ولأن الموقف الكوردي يجب أن يكون الأكثر عدالة، فمن الضروري تقديم تقييمات حول مشاركة الكورد في الانتخابات. وعلى وجه الخصوص، تقييم وضع حزب العمال الكوردستاني بكك المتحالف مع الجبهة الشيعية وميليشيات الحشد الشعبي.
لم يكتسح الحزب الديمقراطي الكوردستاني الأحزاب المنافسة فحسب… بل اكتسح قانون الانتخابات أيضًا…
فاز الحزب الديمقراطي الكوردستاني في انتخابات كوردستان فوزًا منقطع النظير. لكنّه عاد هذه المرة وزاد من عدد أصواته بشكل رهيب، حتى أصبح الخيار الأمثل لوحدة الإيزيديين والمسيحيين في العراق أيضاً.
نعم، لم يكتفِ الحزب الديمقراطي الكوردستاني بهزيمة واكتساح الأحزاب المنافسة له في هذه الانتخابات، بل ضمن انتصاره في ظلّ النظام الجائر لقانون الانتخابات العراقي. حتى مع وضع بنود في قانون الانتخابات العراقية لعام 2023 لتأطير وتقليص نفوذ الحزب الديمقراطي الكوردستاني وإقصائه وبالمقابل تعزيز وتقوية الاتّحاد الوطني الكوردستاني، فحتى مع غياب وعدم وجود التركمان في السليمانية، تم إعطاء كوتا للتركمان في السليمانية وغيرها من خطط مماثلة أخرى. لكن الحزب الديمقراطي الكوردستاني رغم كلّ هذا تجاوز جميع العقبات واكتسحها وقلب الموازين رأساً على عقب.
النهج السياسي لبارزاني نموذجٌ للحلّ في العراق
لا شكّ أن زيادة أصوات الحزب الديمقراطي الكوردستاني تأثرت بموقعه السياسي وباراديغماه الاجتماعي. ويُعدّ دعم الديمقراطي الكوردستاني لأصوات المسيحيين والعرب والإيزيديين، وخاصةً في نينوى، جزءًا من سياساته التي تُعزز التعايش الحقيقي بين الشعوب. وقد كان لحركة بارزاني السياسية، التي بدأت ككونفدرالية قبلية، تأثيرٌ كبيرٌ داخل الحزب الديمقراطي الكوردستاني نفسه. فهي تُسهم في تطوير نظام اجتماعي حرّ وديمقراطي، يشارك فيه كلُّ جزءٍ بهويته الخاصة، وبمقارباتٍ مختلفةٍ للقضايا المشتركة والشؤون الداخلية. ولهذا السبب، يُفضّل حتى أولئك المُعادون للحزب الديمقراطي الكوردستاني قيادته عند مواجهة الصعوبات والتحديات.
وفي هذا المجال، يُمكننا تفسير نجاح محاولة ومساعي الديمقراطي الكوردستاني في اختيار خمسة مُرشحين لكوتا المسيحين على أنه انتصارٌ لنموذجه الاجتماعي.
الشعب الكوردي يكافأ الكابينة التاسعة لحكومة كوردستان
أوقفت الحكومة العراقية الرواتب لأشهر للضغط على الحزب الديمقراطي الكوردستاني وحكومة إقليم كوردستان وإضعافهما خلال الانتخابات. وظنّت أن هذا سيقلّل من نسبة أصوات الكوردستاني ما يمكّنها من تقديم الاتحاد الوطني الكوردستاني كـ بديل، إلا أن ذلك لم يحدث، بل زاد الحزب الديمقراطي الكوردستاني من عدد أصواته.
ويعود أحد أسباب ذلك إلى ثقة الشعب التي بُنيت بفضل أعمال وخدمات الكابينة التاسعة لحكومة كوردستان بقيادة مسرور بارزاني. فقد كافأ الشعب الكوردي هذه الحكومة وجازاها على خدماتها.
ما هو الوضع بالنسبة للاتّحاد الوطني الكوردستاني؟
مُني الاتّحاد الوطني بهزيمة ساحقة في الانتخابات البرلمانية الكوردستانية التي أُجريت قبل عام وكذلك الانتخابات الحالية، استخدم بافل طالباني استراتيجية اللجوء إلى القوة والسلاح لزيادة عدد أصوات ومقاعده. فعلى سبيل المثال، كانت الانتخابات أحد أسباب حرب بافل ضدّ لاهور وتصفية لاهور، كما سُجن زعيم حركة الجيل الجديد (شاسوار عبد الواحد) وزعيم الائتلاف الوطني-الذي كان يترأسه برهم صالح في السابق- آرام قادر، للسبب نفسه. حاول بافل طالباني إقصاء جميع القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل الاتحاد الوطني الكوردستاني، بل حتى في عموم السليمانية، وإلغائها وإزالتها من على الساحة، والوصول إلى عرش الرئاسة من خلال نظام استبدادي قمعي دكتاتوري، فاستخدم هذه الاستراتيجية على وجه السرعة، فحاول تدمير هذه الأطراف بالقوة والقمع، بل حتى في الانتخابات الخاصة، أجبر ناخبيه على التقاط صور لأوراق اقتراعهم لإثبات تصويتهم للحزب. ولكن رغم كلّ هذا لم يحقّق أهدافه، بل خسر الأصوات في قلب قلعته السليمانية.
ضحى بشعب بهدينان لضمان فوز حليفه زعيم كتائب “بابليون” التابعة لميليشيات الحشد الشعبي، ريان الكلداني، الذي كان لديه مرشح كوتا-مسيحي-في دائرة دهوك. لكن هذه الحيلة لم تنجح؛ بل وقف تنظيمه وكوادره بأنفسهم في وجه هذه اللعبة القذرة، نتيجة لذلك، لم يفشل في فوز مرشّحه فحسب، بل خسر أيضًا المقعد الذي فاز به سابقًا في دهوك. والآن، ولتبرير هذه الفضيحة، يدفع بافل مسؤول تنظيمات الاتّحاد الوطني في دهوك، محمد عثمان دوشيفاني، المعروف باسم حمه سور، إلى الظهور، ويدعي هذا الأخير أن “رئيسة قائمة الاتّحاد الوطني الكوردستاني في محافظة دهوك كان عضوًا في الحزب الديمقراطي الكوردستاني وشريكة للحزب!” لكن الحقيقة هي أن المرشحة الرئيسية السابقة كانت عضوتهم البرلمانية في الماضي، وقد أعادوا ترشيحها من جديد، بمعنى أن الاتّحاد الوطني انهار في بهدينان في تردّى.
بافل طالباني المسؤول الأول والوحيد عن خسارة مقاعد كركوك
مع أن الكورد احتفظوا عمومًا بمقاعدهم السابقة في الانتخابات، إلا أن خسارة مقعدين في كركوك ليست محلّ قبول. ويريد الاتّحاد الوطني الكوردستاني الآن تحميل الحزب الديمقراطي الكوردستاني مسؤولية هذه الخسارة.
كان الاتّحاد الوطني الكوردستاني قد رشّح محافظ كركوك ريبوار طه كـ مرشحه الأول، وقد حصل ريبوار طه على نسبة كبيرة من الأصوات. ويحاول الاتّحاد الوطني استخدام هذا كأداة دعائية. لكن هذا ليس بصحيح، المسؤول الرئيسي والوحيد عن الخسران والضياع في كركوك هو الاتّحاد الوطني الكوردستاني، فعلى الرغم من أن بافل طالباني استخدم أقوال الراحل جلال طالباني عن كركوك كأداة دعائية، إلا أن السياسات التي صاغوها ومارسوها بحقّ كركوك قد أتت بنتائج عكسية على الكورد وتسبّبت بتراجعهم وخسارتهم، فهو المسؤول عن أحداث 16 أكتوبر الخيانية في كركوك، ومنذ ذلك الحين، هم كانوا القوة الكوردية الوحيدة في كركوك وبذلت جهودًا متضافرة وحثيثة لإبعاد الأحزاب الكوردية الأخرى وإقصائها من على الساحة الكوردستانية في كركوك ومنعها من دخول كركوك. وقد أصبحت كركوك ضحية لأهداف رئاسة وزعامة بافل طالباني وخيانته. اصطف بافل طالباني وانسجم مع سياسة التعريب في كركوك. فممّا لا شك فيه أن الاتّحاد الوطني وبافل طالباني مسؤولان عن نتائج الانتخابات في كركوك.
كما ساهم التزايد السريع في عدد السكان العرب في كركوك في هذا الوضع. وهذا الوضع خطير للغاية. فتزايد أعداد الشباب العرب في السنوات الأخيرة في كركوك قد يُغير التركيبة السكانية وديمغرافية كركوك.
يجب على الأحزاب الكوردية المعنية وذات العلاقة وضع استراتيجية شاملة لجعل كركوك مدينة كوردية وإعادتها إلى أحضان كوردستان.
ماذا سيفعل بافل طالباني؟
بعد الانتخابات، تحاول وسائل إعلام كلٍّ من الاتّحاد الوطني وحزب العمال الكوردستاني (PKK) تصوير بافل طالباني على أنه منتصر، قد تصدق أجزاء أخرى من كوردستان هذا الادعاء، لكن شعب إقليم كوردستان يرى الحقيقة بأم عينيه. في الوقت نفسه، فإن شعب إقليم كوردستان شاهد على تاريخ الاتّحاد الوطني وزعيمه بافل طالباني وأعمالهما التخريبية والهدّامة.
إن مشاركة بافل طالباني في العملية هو لصالح النظام الشيعي في العراق، وادّعاءات “خسرت، لكن حلفائي الحشد الشعبي، ربحوا وانتصروا” ستضرّ بالكورد، في هذا الصدد، هناك خطوات يجب على الاتّحاد الوطني اتّخاذها.
أولاً وقبل كلّ شيء، يجب على الاتّحاد الوطني الكوردستاني التخلّي عن عدائه وفق المصالح الإيرانية، والتوقّف عن عدائه ومناوئته للحزب الديمقراطي الكوردستاني، وعدم اتباع سياسته المشتركة مع حزب العمال الكوردستاني بكك الذي حلّ نفسه وفسخه، ولتحقيق هذا الهدف، يجب عليه التخلّي عن خططه السرية والمظلمة لتنظيم السليمانية كإقليم مستقل منفصل. كما يجب على الاتّحاد الوطني التوقّف عن عرقلة عملية تشكيل حكومة إقليم كوردستان.
وإلى أن يتمّ ذلك، لن تنتهي سياسات الاتّحاد الوطني الكوردستاني التدميرية والهدّامة والمضرّة تجاه الكورد وكوردستان.