السؤال الذي لابدّ أن يُطرح: هل عبد الله أوجلان جاسوس-عميل؟

تزامناً مع حلّ حزب العمال الكوردستاني بكك في السابع من مايو/ أيار، برزت الحاجة إلى إعادة تفسير التاريخ الكوردي الحديث. وبالتحديد في باكور كوردستان-كوردستان تركيا، فقد شاب التأريخ الكوردي الضباب بسبب الآلام والمآسي والموت والظلم… وبات تأريخ باكور كوردستان الحديث والمعاصر غير واضح المعالم وغير مرئي بشكل واقعي وحقيقي نتيجة الحماس والدعايات…
ففي باكور كوردستان، نشأ وضعٌ يُعتبر فيه طرح بعض الأسئلة، أو النقاش عليها، أو قول أي شيء جديد “خيانة”. ومن بين هذه التساؤلات المحظورة والتخوينية سؤال “هل عبد الله أوجلان جاسوس-عميل؟”.
منذ ثمانينيات القرن الماضي، تحوّل أوجلان تدريجياً إلى زعيم لا يُضاهى ولا يُعلى عليه، فلا نظير أو شريك له، عالم بكلّ شيء مقدّس. لكنّ الحقيقة السياسية لا تعترف بالقداسة والتبريك. فإذا كانت ممارسات الزعيم ونتائجه ومواقفه وأدواره التاريخية تتعارض باستمرار مع مصالح الشعب، آنذاك، يصبح هذا التساؤل ليس مشروعاً جائزاً فحسب، بل ضرورية وهامة أيضاً.
كلّ من انتقدوا أوجلان داخل حزب العمال الكوردستاني اتُّهموا بأنهم خونة ومُصفّين، بينما اتُهم المنتقدون خارج أطر الحزب بالجواسيس والعملاء أو الموالين للدولة. أما اليوم، فيُبدي الرأي العام الكوردي شكوكًا معقولة: ثمة استمرارية يصعب تفسيرها، وحماية غريبة ومعادلة عجيبة، وسلسلة نتائج منهجية في كلّ مرحلة تُعيق الكورد وتصبح حجر عثرة في طريقهم، وفي قلب هذه السلسلة يتواجد عبد الله أوجلان ويبرز! فهل هذا شيء طبيعي؟ فـ أوجلان كان منذ البداية “شخصًا مُوجّهاً من قبل الدولة”!
وبعد دعوة أوجلان في 27 شباط عام 2025، وبعد حلّ حزب العمال الكوردستاني وفسخه، بات من الضروري إعادة النظر بشكل لافت في مهمة أوجلان ودوره في المفاوضات والأحداث الجارية.
فيا تُرى: هل كان أوجلان جاسوسًا-عميلاً حقًا؟
إذا ما تناولنا بإيجاز تاريخ الأحداث والحقائق والمفاهيم التي تُشكّل أساس هذه القضية في ثلاث فترات وحقبٍ رئيسية:
السبعينيات: ولادة شخصية لا تُضاهى…
خلال سبعينيات القرن الماضي، كانت تركيا مسرحًا للقمع والاضطهاد الذي طال الحركات الكوردية واليسارية. قُتل الكوادر، وسُحقت التنظيمات وقُتل قادتها أو سُجنوا لسنوات وعقود. لكن، جاء صعود أوجلان في تلك الظروف العصيبة والحقبة المظلمة بسهولة ملحوظة بلا أية مشاكل أو عراقيل! عمل أوجلان في فترة شبابه مع المؤسّسات القومية التركية، واعتُقل لمشاركته في تظاهرة للحركات اليسارية، لكن أُطلق سراحه في أقرب وقت وبأمر من الدولة.
تزوج ابنة مسؤول رفيع وبارز في المخابرات الوطنية التركية (MIT) وكان رفيقاً مقرّباً للطيار (نجاتي كايا) العميل البارز للمخابرات التركية، وفي أحلك الظروف، ودون علم رفاقه، اجتاز الحدود وعبر إلى سوريا وحيدًا ناجياً بنفسه دون عوائق أو عراقيل! علماً أنه كان من الصعب جدًا لو لم يكن مستحيلاً اجتياز هذه المحن دون أي مشاكل أو عوائق!
خلال هذا الإيجاز، يبرز السؤال التالي وطرح نفسه: كيف سمحت الدولة لقائد حركة كوردية مسلّحة بالنمو والتطور بدلاً من القضاء عليه منذ البداية؟ إذ من المعروف أن الدولة تُفضّل دوماً الخيارات الأصلح والأنسب، لا “الأخطر”. بذل أوجلان محاولات حثيثة وجادة لتصوير نفسه كقائد حكيم وأنه “استخدم الدولة لبناء حركة ثورية”. لكن، بمرور الوقت، فُضحت جوانب مختلفة مظلمة للعلاقة بين أوجلان والدولة التركية.
الثمانينيات: يدٌ خفية تحمي أوجلان
في ثمانينيات القرن العشرين، بدأت الدولة التركية بإعادة صياغة وتصميم جميع الحركات السياسية في تركيا وإعادة هيكلتها من جديد. وتم تطهير وتصفية الشخصيات الخارجة عن سيطرة الدولة ليس فقط من التنظيمات اليسارية، بل أيضاً من التنظيمات اليمينية. ولم تُبقي الدولة سوى “الرموز المنقادة والمطيعة وغير الضارة”.
قُتل جميع الكوادر القيادية الرائدة في الحركات الأرمينية في عمليات خارج البلاد، مع ذلك، لم تؤثّر هذه العمليات المُعاد تصميمها في ثمانينيات القرن الماضي على أوجلان. بل في الوقت نفسه، كان بإمكانه التنقل بسهولة بين لبنان وسوريا برفقة شخص أو شخصين فقط! والحقيقة أنه أقام بعد عام 1978 في المبنى نفسه الذي يضمّ الملحق العسكري التركي في دمشق.
في الأثناء، تمّت تصفية كلّ من كان بمقدوره عرقلة قيادة أوجلان وزعامته الوحدانية داخل حزب العمال الكوردستاني واحدًا تلو الآخر وبشكل ممنهج، ورغم أن أوجلان نفسه قتل بعضهم وصفّى حساباتهم، إلّا أن الدولة التركية قامت بتصفية شخصيات بارزة وقوية ونافذة أمثال مظلوم دوغان، وخيري دورموش، وكمال بير. حيث كان هؤلاء يرون أوجلان أنه مجرّد “الرفيق علي” لا غير، أي “عضو عادي في التنظيم” وتقبلوه كأي شخص آخر لا غير.
والحقّ، شهدت ثمانينيات القرن الماضي نموًا تدريجيًا في رئاسة أوجلان وزعامته.
التسعينيات: قائد لا يُمكن تصفيته ولا يمكن الاستغناء عنه…
كانت تسعينيات القرن الماضي حقبة استخدام الدولة التركية لأقسى أساليبها وأبشعها ضدّ الحركات والشعب الكوردي. أُحرقت القرى، وأُعدم السياسيون، واختفى الصحفيون وبات مصيرهم مجهولاً، ولكن رغم كلّ هذا، تمكّن أوجلان من التنقل بحرية في الشرق الأوسط لسنوات. فكان يتنقل لسنوات بين بيروت وسوريا وحلب واللاذقية بمفرده وبرفقة سائقه دون أن يحمل سلاحًا قط!
هذه اللوحة تزيد من شكوكنا حول علاقة أوجلان بالدولة التركية، وتجذب الانتباه حول وجود علاقة تنسيق مريبة بينهما: قيادة يُنظر إليها على أنها مفيدة ضمن حدود معينة تخضع للسيطرة والإدارة.
حتى هذه السنوات، لم يكن الكورد يعرفون الكثير عن أوجلان. فبدلاً من آبو، كانت أسماء مثل محمد شنر، وساكينة جانسيز، ومظلوم دوغان، المقاومين في سجن ديار بكر، معروفة. لكن الدولة غيّرت هذا الوضع في التسعينيات. إذ بدأت وسائل الإعلام التركية بنشر صور أوجلان بشكل يومي، مصورةً إياه دائماً كشخصٍ تسعى الدولة لقتله واغتياله وتصفيته، قائلةً: “سنقتله”.
هنا، لا بدّ لنا من التوقف والتفكير: إذا كان أوجلان “العدو اللدود والمطلق” للدولة كما يُزعم، فلماذا لم تقتله؟ لماذا قتلت الدولة عشرات السياسيين الكورد دون تردّد؟ لماذا أبقت الدولة على حياة القادة البارزين للحركة دوماً؟ لماذا تمّ تحذير أوجلان من قبل طرف في الدولة من محاولة اغتيال مُدبّرة عام 1996؟ خلال تلك الفترة، لعبت الدولة، ولا سيما اليساريون الأتراك، دورًا بالغ التأثير. فمن جهة، قدّموا أوجلان للمجتمع والشعب الكوردي عبر صحافتهم وإعلامهم على أنه “قائد”، ومن جهة أخرى، ضمنوا استمرار علاقته بالدولة، مُصوّرين هذه العلاقة وكأنها “حوار ثقافي” طبيعي.
في تسعينيات القرن الماضي، ليّن أوجلان تدريجياً من حدة الأهداف القومية الكوردية، ورسم الخطوط الحمراء للدولة وحماها بدلاً من معارضتها. خدع أوجلان أولئك القادمين من أجل بناء دولة كوردية “كوردستان الكبرى” بمفاهيم ومصطلحات مثل الحب، والمرأة، والحياة الاجتماعية، والعلاقات الحرة، وتصوير المرأة كإلهة… إلخ.
حقبة إمرالي: رئاسة-قيادة بلا مطالب
إن انتقال أوجلان إلى إمرالي وما تلاه من أحداث كانت مثيرة جداً للانتباه، فالحقّ أنه فشلت الحرب في باكور كوردستان-كوردستان تركيا فعلياً، وكان بإمكان الدولة إزاحة حزب العمال الكوردستاني من على الساحة وإزالته لو أرادت، لكنها لم تقضِ لا على أوجلان ولا على التنظيم، بل على العكس تماماً، أُعيد بناء أوجلان من جديد على خط الدولة. فأعادت الدولة صناعة وصياغة أوجلان من جديد، كما أعاد أوجلان من جديد بناء وصياغة حزب العمال الكوردستاني بكك، من جانبه أيضاً أعاد الحزب بناء نسبة كبيرة من كورد باكور كوردستان وفق اللاهدف والعبثية من جديد.
في ظلّ هذا الوضع من إعادة الإعمار المستمرة، لم يعد هناك لا “استقلال، ولا كيان واضح ولا أي إنجاز سياسي”. تمّ تدمير كلّ شيء بشكل ممنهج ومخطّط، تمّ تعقيد كلّ شيء بداية حتى تعفّن وانهار ودُمّر في نهاية المطاف. نعم، الهزائم في الحروب واردة، والانسحاب أمر طبيعي، لكن وضع حزب العمال الكوردستاني مختلف لا يتعلق بالهزائم والانتكاسات في المعارك والحروب، بل يتعلّق بتفريغ النضال من مضمونه وفحواه وهدفه. أصبحت “المطالب القومية الكوردية” الكبرى في باكور كوردستان فارغة منهارة، والأهم من ذلك، كيف يُمكننا تفسير أن الكورد في دوامة أوجلان هذه لا يطالبون بشيء! بل يرون حريتهم في حرية أوجلان ومرتبطة بها؟!
لنعد إلى بداية موضوعنا ونطرح السؤال نفسه: “هل أوجلان جاسوس-عميل؟”
من يفهمون مراحل وعصور هذه الحقبة التاريخية لا يطرحون هذا السؤال، بل يقدّمون هذا التفسير والتقييم: “ألحق أوجلان ضررًا بالكورد يفوق ضرر الجواسيس والعملاء” لهذا، فالحقيقة والواقع أن النقاش حول ما إذا كان أوجلان جاسوسًا أم لا هو نقاش مرير لأن مسألة أوجلان ليست مسألة شخص، بل هي مسألة عصر وحقبة زمنية، مسألة نهج، ومسألة عرق مستمرة ذي شكل مطلق من أشكال الاستسلام.