في أوقات الأزمات العصيبة والمنعطفات الحاسمة ووسط مرحلة حقّ تقرير المصير، بإمكان الأشخاص أن يتحوّلوا لصانعي مصير الشعوب ومستقبلها. ففي لوزان، ساقت رسائل وبرقيات حسن خيري ومبعوثي الكورد مصير الكورد نحو الدمار والانهيار، واليوم، يقف الكورد على مفترق طرق تاريخي آخر. يتبلور مدى أهمية دور الشخصيات والقادة والسياسيين، والآن، يلعب مظلوم عبدي دورًا كهذا في روجآفا كوردستان-كوردستان سوريا.
الجنرال مظلوم، أو مظلوم عبدي، شخصية تسنّمت لفترة من الزمن مناصب قيادية في حزب العمال الكوردستاني بكك، ولم ينظر إليه الحزب قطّ على أنه مظلوم عبدي، بل اعتبره وأداره كأحد كوادره، في عام 2021، سعى الحزب لعزله من منصبه، لكن المحاولة جوبهت برفض أمريكي، ما اضطرّ الحزب إلى تركه في منصبه كقيادي ريادي، لكنهم حاصروه وأحاطوه بكوادر الحزب من كلّ جانب.
وعلى الرغم من أن مظلوم عبدي كان الشخصية المحورية والرئيسية في روجآفا كوردستان على مدى السنوات الأربع عشرة الماضية، إلّا أنّه لم يتمكّن من الإفلات من واقع ومنظومة حزب العمال الكوردستاني بكك في روجآفا كوردستان، لم يُسهم بشيء في توحيد القوى السياسية والرؤى الكوردية في روجآفا، ففي ظلّ سيطرته وقيادته، تعرّض السياسيون للاعتقال والاختطاف والقتل. استُخدم روجآفا كوردستان ضدّ إقليم كوردستان، وأصبح روجآفا أداةً في يد العمال الكوردستاني لتبرير وجوده وشرعنته والاستفادة من نفوذه.
وخلال هذه الـ 14 عامًا، تحرّك مظلوم عبدي وتصرّف وفقًا لأجندة حزب العمال الكوردستاني، لا وفقًا للمصالح الحقيقية للكورد.
دفع الشعب الكوردي فاتورة باهظة لاستغلال العمال الكوردستاني لروجآفا كوردستان واستثماره في الحسابات الإقليمية. نعم، نجا روجآفا كوردستان من كارثة عظيمة، لكن المخاطر والتهديدات لا تزال قائمة.
ورغم هذه الحقيقة، لم يتخلَّ حزب العمال الكوردستاني عن روجآفا كوردستان ولم يتركه وشأنه بعد، بل ما زال مصمّماً على شرعنة وتبرير وجوده على حساب روجآفا كوردستان، كما لا يزال يواصل فرض تأثيره ونفوذه هناك.
نعم، لم يكن حزب العمال الكوردستاني من أنقذ روجآفا كوردستان من هذا الخطر، بل الموقف القومي-الوطني للشعب الكوردي والدعم الاستراتيجي الذي قاده الرئيس بارزاني من إقليم كوردستان. والكورد باتوا يدركون هذه الحقيقة جيداً وبوضوح تام. فيا تُرى: هل يدركها مظلوم عبدي أيضاً؟
نعم يعرف الشعب الكوردي الأخطاء والعثرات السابقة لمظلوم عبدي، لكن رغم هذا، يغضون الطرف عنها ولا يعودون للماضي، ولا يحمّلونه مسؤولية الدمار والفشل.
كما يعلم سياسيو بارزاني أيضاً أن مظلوم عبدي كان مسؤولاً عن هجوم وحدات حماية الشعب (YPG) على بيشمركة كوردستان في بيشخابور عام 2020، وأنه كان وراء الهجمات على قيم ورموز الحزب الديمقراطي الكوردستاني في روجآفا كوردستان، وكيف أنه أطلق العنان لـ “الشبيبة الثورية-جوانن شورشكر” لحرق صور الخالد الملا مصطفى بارزاني… لكنّهم يتجاهلون كلّ هذا ويغضّون الطرف عنه ويستدعونه ويستقبلونه في دهوك ليجعلوه شخصية دبلوماسية. سعوا جاهدين لتواجده في مؤتمر ميونخ للأمن، مدّوا له يد العون في أحلك أوقاته…
لأن الكورد يريدون ويأملون أن يصبح مظلوم عبدي شخصية تحدّد مصير روجآفا كوردستان وتصنعه، لا أن يكون مجرّد عضو في العمال الكوردستاني، بل أن يكون صاحب موقف كوردستاني جوهري…
أمام هذه الحقائق، يواجه مظلوم عبدي ويقف على مفترق طرق تأريخي:
إمّا أن يصبح جزءًا من أجندة حزب العمال الكوردستاني، كعضوٍ متخفٍ وسرّي.
أو سيتجاوز ماضيه ويتركه خلفه ويتبنّى خطّ الكورد وكوردستان والكوردايتية.
إمّا سيتحرّك وفق الأجندة المشتركة للدولة التركية مع أوجلان تجاه روجآفا كوردستان.
أو سيسحق أنظمة الاحتلال في روجآفا كوردستان ويعود بهذه البقعة من كوردستان إلى حضن كوردستان الأم.
إمّا سيبقى حبيس الماضي.
أو سيطوي تلك الصفحة السوداء ويفتح صفحة بيضاء جديدة.
اليوم، يوجّه التاريخ سؤالاً صريحاً وواضحاً لمظلوم عبدي:
يسأل: من أنت؟
إلى أي تنظيم-حزب تنتمي؟
أم أنك سياسي لروجآفا كوردستان والشعب الكوردي؟
فالآن حان الوقت لاختيار اتّجاهك وموقفك.
فيا تُرى: ماذا سيختار مظلوم عبدي؟