الحكمة في مواجهة الحرب-الزعيم بارزاني وخطاب العقل السياسي

بقلم: ماهر حسن
يكتسب تصريح زعيم الكورد مسعود بارزاني أهمية سياسية واستراتيجية تتجاوز بكثير إطار التعليق الظرفي على حدث أمني بعينه، إذ يمكن قراءته بوصفه فعلاً سياسياً محسوباً نابعاً من إدراك تراكمي لطبيعة التحوّلات الجارية في الجغرافيا السورية، وللهشاشة البنيوية التي تطبع منظومة الاستقرار الإقليمي برمّتها. فالزعيم بارزاني، بما يمتلكه من ثقل تاريخي ورمزي في الوعي السياسي، لا يتحدّث من موقع المراقب الخارجي، بل من موقع الفاعل الذي يعي أن أي اختلال في التوازنات داخل سوريا سرعان ما تتردّد أصداؤه خارج حدودها.
إن الخروج العلني لزعيم بحجم مسعود بارزاني في هذا التوقيت تحديداً يعكس وعياً سياسياً مركّباً بخطورة اللحظة الراهنة، حيث تتقاطع الأزمات المحلية مع الاصطفافات الإقليمية، ويتحوّل الحدث المحدود جغرافياً إلى نقطة تماس قابلة للتمدّد. فالتجارب السابقة في المنطقة أثبتت أن النزاعات ذات الطابع الهويّاتي، متى ما اقترنت بالعسكرة وغياب الضبط السياسي، سرعان ما تتجاوز سياقها المحلّي لتدخل في دوّامة التدويل، سواء عبر التدخلات المباشرة أو عبر سياسات المحاور والوكالة.
ومن هذا المنظور، فإن تصريح الرئيس مسعود لا يمكن فصله عن إدراكه لطبيعة القضية الكوردية بوصفها قضية عابرة للحدود السياسية التي رسمت في أعقاب الدولة ـ الأمة الحديثة في الشرق الأوسط. فما يحدث في حلب، ولا سيما في أحياء ذات خصوصية ديمغرافية كوردية، لا يقرأ في الوعي الجمعي الكوردي كحدث سوري داخلي فحسب، بل كحلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإقصاء والتهميش والصدام مع السلطات المركزية أو القوى المسيطرة. وهذا ما يمنح الحدث بعداً كوردياً ـ سورياً ـ إقليمياً متشابكاً، تتداخل فيه اعتبارات الهوية مع حسابات الأمن والسياسة.
وعليه، فإن دلالة تصريح الزعيم بارزاني تكمن أيضاً في كونه محاولة لإعادة تأطير الصراع ضمن حدود سياسية عقلانية، قبل أن ينفلت من عقاله ويتحوّل إلى صدام مفتوح ذي طابع قومي أو إثني. فالتاريخ القريب للمنطقة يقدّم شواهد عديدة على أن الصمت في مثل هذه اللحظات لا يقرأ بوصفه حياداً، بل قد يفسَّر كقبول ضمني بمنطق القوة. من هنا، فإن التدخّل الخطابي لزعيم كوردي بهذا الحجم يشكّل رسالة مزدوجة: رسالة تهدئة موجّهة إلى القاعدة الشعبية الكوردية، ورسالة تحذير موجّهة إلى الأطراف الفاعلة من مغبة الاستمرار في سياسات التصعيد والعسكرة.
كما يحمل هذا التصريح في طيّاته بعداً أخلاقياً وسياسياً بالغ الأهمية، يتمثّل في استدعاء مفهوم المسؤولية التاريخية للنخب القيادية. فحين يتحدّث رمز سياسي مخضرم، فإنه لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى توجيه مساره، أو على الأقل إلى وضع حدود لما هو مقبول سياسياً وأخلاقياً. وهذا البعد بالذات يمنح التصريح ثقله النوعي، إذ يحوّله من مجرّد موقف إعلامي إلى أداة ضغط رمزية تهدف إلى كبح جماح الانزلاق نحو مزيد من العنف.
وخلاصة القول، إن تصريح الرئيس مسعود بارزاني يشكّل مؤشّراً واضحاً على أن ما يجري في حلب قد تجاوز كونه أزمة أمنية محلّية، ليغدو اختباراً حقيقياً لقدرة الفاعلين السوريين والإقليميين على إدارة التعدّدية والاختلاف ضمن أطر سياسية سلمية. وهو الآن في ذاته تذكير صارم بأن تجاهل البعد الكوردي في أي معادلة سورية مستقبلية لن يؤدّي إلّا إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر حدّة واتساعاً، بما يهدّد ما تبقى من فرص الاستقرار في منطقة لم تعد تحتمل مزيداً من الانفجارات.