في الحروب المعاصرة لم تعد المشاركة في الصراع تعلن دائمًا عبر البيانات الرسمية أو إعلان الحرب المباشر. فالكثير من الدول باتت تمارس نوعًا من “الحرب غير المعلنة”، حيث يظهر الخطاب الرسمي بمظهر الحياد بينما تتحرك قوى أخرى على الأرض ضمن منطق مختلف تمامًا. هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يبدو اليوم واضحًا في المشهد العراقي مع تصاعد التوتّر بين الولايات المتّحدة وإيران وانعكاساته على العراق وإقليم كوردستان.
الحكومة العراقية تعلن في بياناتها الرسمية أنّها تقف على مسافة واحدة من الأطراف المتصارعة، وتؤكّد أن العراق لا يريد أن يكون ساحة للحرب. هذا الخطاب الدبلوماسي مفهوم من حيث المبدأ، لأن العراق يدرك أن الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو الانخراط في حرب إقليمية واسعة سيضع الدولة أمام مخاطر سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة. لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الخطاب الرسمي، بل في الواقع العملي على الأرض.
فالعراق منذ سنوات يعيش حالة ازدواجية في السلطة. هناك دولة رسمية تمتلك مؤسّسات وجيشًا ودستورًا، وفي الوقت نفسه توجد قوى مسلّحة خارج الإطار التقليدي للدولة تمتلك قدرات عسكرية مؤثّرة ونفوذًا سياسيًا واسعًا. هذه القوى ليست مجرّد مجموعات محلّية، بل ترتبط في كثير من الأحيان بشبكات إقليمية أوسع وبصراعات تتجاوز حدود العراق.
في ظلّ الحرب المتصاعدة في المنطقة يظهر هذا التناقض بوضوح أكبر. فبينما تعلن بغداد الحياد، تتعرّض مناطق مختلفة، ولا سيما في إقليم كوردستان، لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة تستهدف مواقع مدنية أو بنى تحتية حساسة. وغالبًا ما تنسب هذه الهجمات إلى جماعات مسلّحة مرتبطة بالمشهد الشيعي المسلّح في العراق.
هذه المعادلة تطرح سؤالًا سياسيًا جوهريًا: هل يمكن لدولة أن تعلن الحياد بينما تعمل قوى مسلّحة داخل حدودها على الانخراط في الصراع؟ إن مفهوم الدولة الحديثة يقوم أساسًا على احتكار العنف المشروع، أي أن استخدام القوة يجب أن يكون حصريًا بيد المؤسّسات الرسمية. وعندما تفقد الدولة هذا الاحتكار تظهر حالة “الدولة المزدوجة”، حيث تتعايش سلطة رسمية مع سلطات موازية تمتلك القدرة على التأثير في القرار الأمني والسياسي.
في هذه الحالة يصبح الحياد السياسي مفهومًا إشكاليًا. فالعالم الخارجي لا يقيس موقف الدولة من خلال بياناتها فقط، بل من خلال ما يحدث فعليًا على أرضها. وإذا كانت الهجمات تنطلق من داخل الأراضي العراقية أو عبر جماعات تعمل داخلها، فإن صورة الحياد تصبح موضع تساؤل لدى المجتمع الدولي.
أما بالنسبة لإقليم كوردستان، فإن هذه التطورات تمثّل تحديًا أمنيًا واستراتيجيًا بالغ الحساسية. فالإقليم بنى خلال العقود الماضية نموذجًا نسبيًا للاستقرار السياسي والاقتصادي داخل منطقة مضطربة. واستهداف البنية التحتية أو المواقع الاقتصادية فيه لا يهدّد الإقليم فقط، بل يهدد أيضًا أحد أهم عناصر الاستقرار في العراق نفسه.
إن استمرار هذه الازدواجية في السلطة قد يقود العراق إلى وضع أكثر تعقيدًا. فالدولة التي لا تملك السيطرة الكاملة على قرار الحرب والسلم داخل حدودها تجد نفسها تدريجيًا جزءًا من صراعات لم تخترها رسميًا. وهذا ما يجعل المشهد العراقي اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي بين خيارين واضحين.
الخيار الأول هو تعزيز مفهوم الدولة الوطنية التي تحتكر السلاح والقرار الأمني، وتمنع استخدام الأراضي العراقية كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. أما الخيار الثاني فهو استمرار حالة التوازن الهشّ بين الدولة الرسمية والقوى المسلّحة الموازية، وهو مسار يحمل في طياته مخاطر كبيرة على مستقبل الاستقرار السياسي في البلاد.
إن العراق، بتاريخِه وثقله الإقليمي، يستحقّ أن يكون دولة مستقلة القرار لا ساحة لصراعات الآخرين. وتحقيق ذلك يتطلب شجاعة سياسية لإعادة بناء مفهوم الدولة على أساس سيادة القانون ووحدة القرار الأمني. فالدولة التي لا تتحكم بسلاحها لا تستطيع أن تفرض حيادها، والدولة التي تفقد حيادها قد تجد نفسها تدريجيًا داخل حرب لم تعلنها يومًا.