في العراق-الفصائل، هؤلاء الجنود العبثيون، يجلسون على أرائك الصراخ كلّ صباح، ينفخون ريشهم مثل ديوك في حلبة استعراض، يلوّحون بأيديهم في الهواء، يصرخون بلا توقّف، ويركضون في دوائر بلا هدف. يمدحون أنفسهم ويصفقون لبعضهم كما لو أنّ العالم كلّه موجود ليشاهدهم، ويعتقدون أن الصخب وحده يمنحهم الهيبة والسلطة. كلّ خطوة هادئة للكورد، كلّ إنجاز بعيد عن عبثهم، يصبح بالنسبة لهم تهديدًا وجوديًا، مؤامرة عالمية، وفرصة لتفريغ غضبهم الداخلي.
هذا الأمر غريب لا يتقنه أحد، فنّ اختلاق الأعداء الجاهزين لكلّ فشل وكلّ أزمة. كلّما حاول أي طرف بناء شيء، تسحب هذه الفصائل رؤوسها من الجحور وتظهر كأنّها لجنة تحقيق عالمية لتصدر قذارتها فورًا باتجاه إقليم كوردستان، ليس لأنّه فعل شيئًا خاطئًا، بل لأنّه موجود وبعيد عن مهرجانات صراخ، هراء يومي، هرج ومرج عبثي، وكوميديا فوضوية، بينما هم يغرقون في فوضى مستمرة وانفلات السلاح وهرج وكلام لا نهاية له.
هذه الفصائل تضع خرقة مهترئة أمام أعينها ولا تهتم بالواقع، كلّ ما يهمّها هو خلق ذريعة، شماعة فاخرة تعلّق عليها كلّ الأخطاء، وتصنع من كلّ نجاح بعيد عن عبثهم تهديدًا يجب الهجوم عليه فورًا. ومن لا يشارك في صخبهم يعتبر خصمًا، ومن لا يصرخ ويطلق النار في كلّ زاوية يصبح هدفًا مشروعًا.
السخرية الكبرى هي الحديث عن السيادة والدستور، كما لو كانوا علماء قانون مفاجئين للتو من مؤتمر دولي، يستخدمون الكلمات الكبيرة لإخفاء عجزهم المريع، وبعد دقائق يعود كلّ شيء إلى وضعه: سلاح خارج السيطرة، قرارات بلا منطق، وفوضى مستمرة، بينما إقليم كوردستان يدير أمور الناس بهدوء، ويمتنع عن الانزلاق إلى دراما لا تنتهي.
أمّا الكورد، فمطالبون بأن يكونوا المثال المثالي للصبر والتفهم، صامتين حتى تحت الهجوم، متفهّمين حتى لتهديدات لا أساس لها، وإذا تجرأوا على الرفض ولو بكلمة يتحوّلون فورًا إلى سبب الأزمة، ويمارس عليهم ضغوطًا نفسية وسياسية.
أما بغداد الرسمية، فهي تفضل لعبة النعامة: تغرس رأسها في الطين والوحل ولا تتحرك، وكأنّ صمتها سياسة استراتيجية، بينما الفصائل المجرمة تنفخ في الصراع وتكرّر مهرجاناتها الهزلية بلا رادع: فوضى، تهديدات، ومسرحيات جاهزة تتكرّر كلّ يوم كما لو أن العراق عبارة عن مسرح دائم لهم وحدهم.
الواقع يقول إن هؤلاء عاجزون عن ضبط شارع واحد، عاجزون عن فرض القانون، عاجزون عن حماية أي منطقة صغيرة، ومع ذلك يتحدّثون عن الوطنية وكأنّها اكتشاف شخصي، ويريدون من كلّ شيء حولهم أن ينهار ليبدو أقوياء، بينما نجاح الإقليم، وكلّ خطوة بعيدة عن الفوضى، تصبح استفزازًا لا يطاق بالنسبة لهم.
ويبقى استعراض العضلات، والهوبرة، والزخارف الكلامية التي يصدرونها، ليس سوى ستار دخاني لإخفاء العجز الداخلي، وللتغطية على الفشل المزمن الذي يحيط بكلّ جانب من حياتهم اليومية. الصراخ هو الوظيفة الوحيدة لهم، والفوضى هي وسيلتهم للتظاهر بالقوة، بينما الواقع يقول شيئًا آخر: لا إنتاج، لا إدارة، لا تنظيم، مجرّد هرج ومرج متكرّر يفضح كلّ ادّعاءاتهم.
في الوقت نفسه، المدن التي من المفترض أن يكونوا مسؤولين عنها تغرق في الفوضى، الشوارع ممتلئة بالقمامة التي تتراكم إلى حدّ لا يُحتمل، الكهرباء مفقودة لساعات طويلة، والخدمات الأساسية غائبة، بينما لا يكترثون إلا لتوجيه أصابع الاتهام وتهديد الإقليم.