حلب من أقدم مدن العالم المعمورة والمأهولة لغاية اليوم، يعود وجود الكورد فيها إلى تاريخ عريق قديم قدم المدينة، ففي العصور الغابرة، كانت حلب تحت سيطرة الحضارتين الهيتية والميتانيين، كما كانت عاصمة دولتين كورديتين: الأيوبيين والمهدويين.
واليوم، يقطن الكورد باكتظاظ في حيّين من أحياء المدينة التي كانت عاصمتهم في غابر الأزمان، هما (حيّ الشيخ مقصود والأشرفية).
واليوم، يُرغم الكورد على التهجير القسري من هذين الحيّين.
فوفق مشروع الدولة التركية، تمّ إبرام اتفاقية على إخراج الإدارة الذاتية لروجآفا كوردستان وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” والحركة الكوردية المنظمة من غرب الفرات. وفي اجتماع باريس، تمّ تفويض أحمد الشرع للإشراف على تنفيذ بنود المعاهدة، من جانبها، توغّلت إسرائيل في ريف القنيطرة وأحكمت احتلالها على التلال الاستراتيجية فيما التزمت الصمت حيال وضع الكورد، وممّا لا شكّ فيه أن استبعاد الكورد من هذه المعادلة السياسية مؤشرٌ خطير وسيئ. لكنه ليس النهاية، المهم هو أن يتمكن المرء من الصمود والبقاء في الرقة ودير الزور والحسكة. لكن يبقى السؤال: كان بإمكان من وفعل ماذا من أجل روجآفا كوردستان-كوردستان سوريا؟
يتعرّض الحيّان، البالغ عدد سكانهما أكثر من 400 ألف نسمة، للهجمات الوحشية لما يُسمّى بـ “الجيش العربي السوري” منذ السادس من كانون الثاني الجاري، نزح نصف سكان الحيّين وتمّ تهجيرهم، إلّا أن عدداً كبيراً من المدنيين ما زالوا يقاومون في منازلهم. وقد أبدى شباب الكورد مقاومة عظيمة ومشرفة في الدفاع عن هذين الحيّين.
من أربيل إلى جزيرة بوتان، ومن بوچوم إلى ستوكهولم، وقف الكورد في كلّ منطقة تواجدوا فيها على أقدامهم، بألوانهم وأقوالهم الكوردية، لنصرةً الشيخ مقصود والأشرفية.
استغل الرئيس بارزاني كافة علاقاته الدولية وثقله السياسي من أجل منع الإبادة الجماعية والمجازر بحق الكورد في حلب، وكسب الوقت للقوات الكوردية للاستفادة منه. داعياً الدولة التركية والحكومة السورية المؤقتة والولايات المتّحدة وجميع الأطراف الفاعلة وغيرها للوساطة لخلق أرضية للحوار بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية. مساعي الرئيس بارزاني كانت من أجل تهيئة أرضية للحوار بين الطرفين.
لكن، أصدرت منظومة المجتمع الكوردستاني (KCK) بيانًا عامًا من أكثر من صفحة. جاء فيه: “ندعو الدولة التركية إلى دعم الكورد في سوريا وتبنيهم؛ لأن هؤلاء الكورد هم أقارب كورد تركيا، كما تدعم تركيا التركمان، عليها أن تدعم الكورد…” هذا، واستخدام منظومة بكك لعبارة “كورد تركيا” بدلًا من “كورد باكور كوردستان-كوردستان تركيا” مثيرةً للجدل. إذا تشير العبارة وكأن الدولة التركية أبرمت سلامًا مع الكورد في تركيا! وبالتالي من الضروري إبرام سلام مع الكورد في سوريا! كما يشير بيان منظومة (KCK) أن روجآفا كوردستان ليس ضمن أجندات العمال الكوردستاني أو في حساباته، أو ربما يكون الحزب قد تلقى أمرًا من إمرالي بعدم الظهور ضدّ هجوم الدولة السورية هذا على كورد حلب.
رئيس الاتّحاد الوطني، بافل طالباني، أيضاً حاول إعادة ترميم صورته المشوّهة والمخزية والظهور بمظهر لائق وأشدّ جذباً، فأصدر بياناً لطمأنة الرأي العام وإبهاره قال فيه: “بإمكاننا إرسال القوات!”. لكنّه يعلم بالتأكيد أنه لا مجال لهذا الطرح الآن، فالاتّحاد الوطني حوّل وغيّر الوضع إلى مادة إعلامية.
عندما ننظر إلى الجبهة الكوردية، نرى بوضوح أن كلاً من الأحياء الكوردية في حلب بل وعموم القضية الكوردية في روجآفا كوردستان تقع على عاتق الرئيس بارزاني وقيادة قوات سوريا الديمقراطية.
وبالطبع، الأهم هو أن تتجنب الإدارة الذاتية لروجآفا كوردستان الأخطاء التي ارتكبتها خلال السنوات الثلاث عشرة الماضية. كما يجب على كوادر حزب العمال الكوردستاني في روجآفا كوردستان الوقوف ضدّ برنامج أوجلان لقيادة روجآفا كوردستان من إمرالي وتركيا، حتى وإن لم يرفضوا أوجلان، فعليهم قبوله فقط كزعيم روحي ورمزي، وأن يقرّروا مستقبلهم بأنفسهم وإرادتهم. يجب عليهم صياغة سياساتهم بما يخدم مصالح روجآفا لا مصالح حزب العمال الكوردستاني مع دول المنطقة. بعبارة أخرى، روجآفا كوردستان ليس بحاجة للخطابات الأيديولوجية، أو الأيديولوجيات المغامرة، أو تصدير الفكر والحرية إلى الشرق الأوسط بأسره. عليهم بناء خطابهم على روجآفا وكوردستان.