بدأ حزب العمال الكوردستاني بكك وهياكله ومرتزقته مؤخّراً شنّ حملة استهداف واسعة ضدّ المخالفين الناقدين على منصات التواصل الاجتماعي. وإلى جانب تتبع حسابات الأشخاص الذين ينتقدون نهج التنظيم وإغلاقها عبر البلاغات الكثيفة (Report)، أطلقت مجاميع بككية تهديدات بالاغتيال والتصفية والقتل لشخصيات بارزة ومعروفة ومؤثّرة، وكان على رأسها الدكتور سربست نبي.
المفكّر والأكاديمي والدكتور البروفيسور سربست نبي وهو أكاديمي كوردي معروف من روژآفا كوردستان-كوردستان سوريا وأستاذ في جامعة كويه بإقليم كوردستان، ورغم انتقاداته السابقة لنظام الإدارة الذاتية المفروضة على روژآفا كوردستان، إلّا أنه طالما تبنى مواقف مشرفة وداعمة ومساندة لروژآفا كوردستان؛ إذ عُرف خاصة خلال أحداث ومعارك حلب بدعواته المتكرّرة للنزول إلى الشوارع والتضامن مع روژآفا كوردستان. ولكن، عقب قيام الإدارة الذاتية المفروضة على روژآفا كوردستان بالمساومة على إنجازات ومكتسبات الكورد في هذه البقعة من كوردستان على طاولة المفاوضات مع دمشق وانخراطها في سياسة “الاندماج” التي هندسها أوجلان، وجّه نبي انتقادات حادّة ولاذعة لسياسات إدارة روژآفا وأوجلان. ورغم أن انتقاداته جاءت في إطار السياسة وبأسلوب علمي موضوعي، إلّا أنه لم يسلم من تهديدات حزب العمال الكوردستاني واستحوذ على حصّة السد منها.
حيث كشف الدكتور سربست نبي في منشور له على وسائل التواصل الاجتماعي عن تعرّضه لتهديدات بالاغتيال والقتل من قبل حزب العمال الكوردستاني بكك عبر المكالمات الهاتفية والمنصات الرقمية.
وأوضح نبي أن أفراداً من عائلته أيضاً تلقّوا تهديدات بالقتل كما تعرّضوا لحملات إساءة وتشنيع على خلفية انتقاداته السياسية، محمّلاً منظومة أوجلان وأنصارها مسؤولية هذه الحملات. واعتبر أن ما يجري يستهدف إسقاطه معنوياً وإسكاته، داعياً قادة الرأي العام الكوردي والأوساط الأكاديمية والرأي العام السوري والعراقي إلى اتّخاذ موقف واضح إزاء ما وصفه بحملات الترهيب.
عقب هذه التصريحات، شهدت منّصات التواصل الاجتماعي -ولا سيما في الإعلام العربي والسوراني- موجة تضامن واسعة مع المفكر الكوردي سربست نبي، على خلفية ما وصفه المتضامنون بحملة تخوين وتشهير وشتائم وتهديدات طالته وطالت أفراداً من عائلته.
وشارك عدد من الكتّاب والمثقفين والأكاديميين والسياسيين الكورد في حملة التضامن، مؤكّدين أن الاختلاف السياسي لا يجوز أن يتحوّل إلى استهداف شخصي أو حملات تشهير وتحريض، مشدّدين على ضرورة حماية حرية الرأي والتعبير وإتاحة المجال للنقد والردّ عليه بالحجة والفكر لا بالتهديد يالاغتيال والقتل.
الكاتب إبراهيم اليوسف أعلن تضامنه مع نبي، معتبراً أنه يتعرّض لـ«حملة شعواء» تستهدفه وذويه بسبب مواقفه، وربط ما يحدث بحملات مشابهة قال إنها طالت أصحاب الرأي والموقف منذ سنوات. وشدّد اليوسف على رفض استهداف أصحاب الرأي أو زج عائلاتهم وإقحامها في الخلافات السياسية، واصفاً سربست نبي ومشيداً به كـ أحد الأصوات التي تدافع بشجاعة عن قضية شعبها في مرحلة مفصلية من تاريخ الكورد في سوريا.
بدوره، رأى الكاتب صبري رسول أن حملات التخوين والشتائم وتشويه السمعة التي يتعرّض لها المخالفون لسياسات حزب العمال الكوردستاني تعكس حالة من «الإفلاس السياسي»، مشيراً إلى أن قائمة من تعرّضوا لمثل هذه الحملات طويلة، وأن المطلوب هو مراجعة فكرية وسياسية عميقة تقبل بالرأي المخالف.
أما الكاتب أحمد إسماعيل إسماعيل فركّز في منشوره على البعد الفكري للقضية، مستحضراً نماذج تاريخية لأصحاب آراء خالفوا السائد وتعرّضوا للملاحقة والرفض. وقال إن الاختلاف مع سربست نبي في الأسلوب أو الرأي لا يبرّر محاولات التشهير به أو إسكات صوته، مشدّداً على أن الدفاع عن حقّه في التعبير يتجاوز الدفاع عن شخص بعينه إلى الدفاع عن مبدأ حرية الرأي نفسه.
وأضاف أن تحويل الهجوم على صاحب الرأي المختلف إلى وسيلة للترهيب يبعث برسالة سلبية إلى المثقفين والكتّاب الآخرين، قد تدفعهم إلى الصمت والخوف من التعبير عن مواقفهم، مؤكّداً أن «الأفكار تواجه بالأفكار، والحجة بالحجة، والرأي بالرأي».
كما أعلن الشخصية الوطنية الحاج عارف رمضان تضامنه مع نبي، مؤكّداً أن الديمقراطية الحقيقية تقوم على احترام الرأي الآخر وتقبّل الاختلاف، وأن من يتصدّى لقيادة قضية شعب يفترض أن يكون قادراً على استيعاب الآراء المختلفة بدلاً من مواجهتها بالتهديد أو الإقصاء.
وفي السياق نفسه، كتب ماجد ع. محمد أن التضامن مع سربست نبي يأتي دفاعاً عن مكانة المثقف الحقيقي في مواجهة ما اعتبره محاولات لتفضيل الولاءات السياسية والحزبية على الفكر والنقد المستقل.
أمّا لاوند علي حسين فاعتبر أن ما يتعرّض له نبي يدخل في إطار حملة تشهير وترهيب من قبل أنصار منظومة حزب العمال الكوردستاني بسبب انتقاداته السياسية، مؤكّداً أن الاختلاف معه لا يبرّر، بأي شكل، استهدافه أو استهداف أفراد أسرته. ودعا المثقفين والأكاديميين وقادة الرأي الكورد والسوريين والعراقيين إلى رفض كلّ أشكال الترهيب السياسي ومحاولات إسكات الأصوات المنتقدة.
كذلك كتب عاكف حسن تحت عنوان «سربست نبي… صوت مختلف في زمن الأصوات المتشابهة»، معتبراً أن القضية التي تخاف من النقد تضعف نفسها، وأن الحركة السياسية التي لا تستطيع مواجهة منتقديها إلّا بالتخوين تسيء إلى قضيتها. وأكّد أن وظيفة المثقف ليست التصفيق لأي جماعة سياسية، بل الاحتفاظ بمسافة نقدية تسمح له بتشخيص الأخطاء والتعبير عنها.
وقدّم أدهم شيخو في منشوره نبذة عن المسيرة الأكاديمية لسربست نبي، مشيراً إلى دراسته للفلسفة وحصوله على درجتي الماجستير والدكتوراه وعمله في عدد من الجامعات والمعاهد في سوريا وإقليم كوردستان وتركيا، إضافة إلى مؤلفاته ونشاطه الأكاديمي، معلناً تضامنه الكامل معه ضدّ ما وصفه بقوى «الظلام والإرهاب».
بينما أكّد بافي شورشفان بدوره أن حرية الرأي والتعبير والنقد البناء من السمات الأساسية للممارسة الديمقراطية، معلناً تضامنه مع سربست نبي ومع كلّ شخص يعبّر عن رأيه بجرأة وموضوعية ويضع المصلحة العليا للقضية الكوردية فوق الاعتبارات الحزبية.
وتتقاطع غالبية المنشورات المتضامنة، رغم اختلاف لغة أصحابها ومواقفهم السياسية، عند نقطة مركزية تتمثّل في رفض نقل الخلاف السياسي من دائرة النقاش والنقد إلى دائرة الشتائم والتشهير والتحريض أو استهداف أفراد العائلة.
تأتي حملة التضامن مع البروفيسور سربست نبي في وقت تشهد فيه الساحة الكوردية في سوريا نقاشاً سياسياً واسعاً حول مستقبل القضية الكوردية، ومسار قوات سوريا الديمقراطية «قسد» و«الإدارة الذاتية»، وعلاقتهما بحزب العمال الكوردستاني.
وفي ظل هذا المناخ، يعيد الجدل الدائر حول سربست نبي إلى الواجهة سؤالاً أوسع يتعلق بحدود الاختلاف داخل الوسط الكوردي، ومدى قدرة القوى والتيارات السياسية على تقبل النقد والمعارضة، بعيداً عن التخوين والتشهير والاستهداف الشخصي كما دأب عليه حزب العمال الكوردستاني وهياكله وكياناته.