سجن كوباني… السجن الذي فقد فيه 9 أشخاص حياتهم… تحت إدارة مَن؟!

سجن كوباني... السجن الذي فقد فيه 9 أشخاص حياتهم... تحت إدارة مَن؟!

عقب حادثة وفاة 9 معتقلين حرقاً في سجن كوباني، برز السؤال المحوري الرئيسي والإشكالي إلى الواجهة، ألا وهو: “من المسؤول عن هذه الفاجعةّ”.

في حدود الساعة الثانية فجراً من يوم 12 أيلول/ سبتمبر اندلع حريق ضخم داخل سجن كوباني، الحريق أسفر عن وفاة 9 معتقلين حرقاً. وطبقاً لإفادات المصابين والناجين، فإن ألسنة النيران انتشرت بسرعة فائقة في أرجاء الغرفة نتيجة اشتعال الفرش الإسفنجية والسجاد الأرضي المصنوع من النايلون. كما أكّدت شهادات المصابين أن إدارة السجن لم تفتح الأبواب ورفضت، ممّا اضطر المعتقلون لممارسة الضغط وكسر الباب بأنفسهم في محاولة يائسة للنجاة من ألسنة النيران.

ونظراً لبشاعة ووحشية هذه الحادثة، أصبحت الجهة المشرفة على إدارة السجن والتي تسبّبت في المأساة بترك المعتقلين لمصيرهم محاصرين بالنيران محطّ اهتمام ومتابعة الرأي العام وعلى جدول الإعمال.

وحتى اللحظة، لم يصدر أي بيان واضح وصريح أو أي توضيح لا من جانب الإدارة الذاتية المفروضة على روجآفا كوردستان-كوردستان سوريا ولا من جانب السياسيين المعروفين على صعيد روجآفا كوردستان بخصوص هذه المسألة؛ حيث التزمت هذه الإدارة إلى جانب القيادات البارزة مثل مظلوم عبدي وإلهام أحمد وفوزة يوسف، وقيادة وحدات حماية الشعب (YPG) الصمت التام والمطبق دون الكشف عن الجهة التي تُدير السجن فعلياً.

التوضيح الرسمي الأول صدر عن القيادة العامة لقوات الأمن الداخلي (الآسايش) في حلب، والتي أعلنت فتح تحقيق في ملابسات الحادث. وتمثلت النقطة الأكثر أهمية وحساسية في البيان بتحديد الجهة الإدارية للسجن؛ إذ جاء فيه بأن إدارة سجن كوباني لم تُنقل بصفة رسمية بعد إلى مؤسّسات حكومة دمشق، وتجري عملية التسليم والإعادة في إطار إجراءات قضائية وقانونية سارية.

وهذا ما يؤكّد أن إدارة السجن لا تزال واقعة بوضوح تحت سلطة حزب الاتّحاد الديمقراطي (PYD) والإدارة الذاتية. وتُعد حالة الصمت وعدم النفي من قبل مسؤولي إدارة روجآفا كوردستان بمثابة إقرار ضمني واعتراف بقبول ما ورد في بيان قوى الأمن الداخلي بحلب.

ومنذ بداية الحادث المؤلم، اعتمدت وسائل الإعلام التابعة لحزب العمال الكوردستاني بكك في روجآفا والمنطقة لغة تعميمية وتصريحات شمولية في تغطيتها، متجاهلة آلام وجراح ذوي الضحايا، ومحاولة لحجب هوية الجهة المسؤولية والتغطية على الملابسات الأساسية للجريمة.

وتتلخص الحقيقة التي تكشفت في أن إدارة السجن التي امتنعت عن فتح الأبواب أثناء الحريق تتبع مباشرة للإدارة الذاتية في روجآفا. والنقطة الجوهرية والمهمة هي أن الحريق اندلع على خلفية محاولة إدارة السجن نقل الشبان الكورد المعتقلين على خلفية الاحتجاجات على اغتيال الشاب الكوردي “سيبان حزني” إلى سجن آخر في حلب. وكانت الإدارة تسعى لنقل المعتقلين على خلفية قضية سيبان حزني إلى حلب خشية أن تتطور الاحتجاجات المناهضة لعملية “الاندماج”؛ وهو ما أثار غضب وسخط المعتقلين ودفعهم للإضراب والتظاهر داخل الزنزانة وإشعال النيران تعبيراً عن الرفض، ليقابل ذلك إصرار من إدارة السجن على إغلاق الأبواب وعدم فتحها حتى كسرها المعتقلون ولكن بعد فوات الأوان. أي أن الإدارة الذاتية في روجآفا كانت بصدد تسليم الشبان الكورد المحتجين على خلفية اغتيال الشاب سيبان حزني لحكومة دمشق، وكان ذلك المسبّب المباشر للحادثة.

والحقّ أن هذه الفاجعة مثّلت نقطة انكسار وصدمة عميقة لأهالي كوباني. وفي حديث إعلامي مؤلم، تساءل أحمد جمو (عم بوزان دالي أحد ضحايا هذه الفاجعة)، فقال: “ألم يكن هناك شخص واحد يملك الرحمة في قلبه ليفتح باب السجن لهم؟ لو فتحوا ذلك الباب لما وقعت هذه التراجيديا”.

ورغم فداحة الحدث، لم تُدلي إدارة روجآفا لا بتصريح ولا أي مراجعة أو نقد ذاتي، ولم تصدر أي بيان يتعلق بمحاسبة المسؤولين عن هذه الفاجعة. بينما أهالي كوباني في حالة غليان شديد لمعرفتهم بالجهة المسؤولة عن إدارة السجن وعدم فتحهم الأبواب وتركهم المعتقلين محاصرين تلتهمهم النيران. وقد دفع هذا الاحتقان بمستشار الجولاني مظلوم عبدي للإسراع بزيارة المدينة في محاولة لتهدئة الغضب الشعبي العارم.

من جهة أخرى، أفادت مصادر محلّية لموقع “داركا مازي” بأن قيادات وكوادر وحدات حماية الشعب (YPG) تواصلت مع أسر الضحايا، ووجهت لهم تعليمات حاسمة وقالت لهم: “لا تتحدّثوا للإعلام، وسنحلّ الأمر فيما بيننا، وسنتكفل بإنهاء ضائقتكم الاقتصادية!”.

المجزرة السادسة لـ كوباني…

تُجسّد أحداث سجن كوباني في أساسها جوهر وواقع العملية التي يعيشها روجآفا كوردستان، وتتلخّص هذه الراوية المؤلمة في تصريح صحفي أدلى به ابن عم الشاب الشهيد “محمود ثابت جلو-21 عاماً” والذي قضى حياته حرقاً في الحادثة؛ حيث قال: “ما يحدث في الحقيقة هو مجزرة جديدة بحقّ كوباني… المجزرة السادسة التي تتعرّض لها المدينة… لقد تأخروا في فتح الأبواب، ولو فتحوها مبكراً لما وقعت هذه الكارثة. المعتقلون هم من كسروا الباب بأنفسهم، ولكن بعد فوات الأوان، حيث فارقوا الحياة اختناقاً بالدخان واحتراقاً بالنيران. السجن مجهّز بكاميرات المراقبة ومراقب بالكامل، وحياة الناس كانت تحت تهديد الموت المباشر. شهدنا كلّ أنواع الموت، واليوم شاهدنا موت أبنائنا حرقاً! كلّ شيء جرى أمام أعيننا؛ الذين احترقوا هم من أبناء كوباني، والحراس من أبناء كوباني، والإدارة أيضاً من كوباني!”.

تستيقظ كوباني مجدّداً على الجراح والغدر والخذلان؛ إذ يجد أهالي كوباني أنفسهم محاصرين ومحقوقين بين فكي رهن منطقتهم لنظام دمشق وبين هيمنة وإدارة المنطقة من قبل كوادر حزب العمال الكوردستاني بكك.

وفي المقابل، فإن السلطة والإدارة التي تتحدّث باسم روجآفا كوردستان لا تملك إرادة المراجعة والنقد الذاتي، كما لا تجرؤ على تحمّل المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن هذه الفاجعة الأليمة والمروعة.