إلى متى تظلُّ “برواري بالا” «الأرض المحظورة المحرَّمة»؟

إلى متى تظلُّ "برواري بالا" «الأرض المحظورة المحرَّمة»؟

بقلم: سمكو عبد العزيز

ما تبثّه وسائل إعلام حزب العمال الكوردستاني بكك حول انسحاب الگريلا وإخلاء أنفاق القتال في “متينا”، والمطالبة بحرية أوجلان الجسدية، لا يطرح مجرّد سؤالٍ عابر عن مصير التنظيم، بل يثير تساؤلاً أعمق وأشمل يتجاوز مصير التنظيم ليلامس جوهر قضية شعبٍ بأكمله: بعد أربعين عاماً من النضال والتضحيات… أيُّ حقوقٍ انتُزِعت، وأيُّ آفاقٍ فُتِحت أمام الشعب الكوردي؟!

في ربوع برواري بالا؛ لا يغيب هذا السؤال لحظةً عن تفاصيل الحياة اليومية للناس: متى يتأتّى لهم أن يعودوا إلى ديارهم وقراهم، ويكسروا حاجز الخوف والرعب ويعودوا إلى حقولهم وبساتينهم، ومروجهم، وجبالهم الشاهقة…؟

أدرك أبناء عشيرة البرواري مليّاً الخفيّ من أسباب النظام السابق حين صَنّف أراضيهم «منطقةً محرَّمة-محظورة»؛ إذ كانت العشيرة تؤمن بالثورة الكوردية، وترى في انتصارها الملاذ الوحيد لاستعادة الحرية ونيل الحقوق… فاحتسبت جور النظام والقمع الذي طالهم بمثابة ضريبة شرعية لدعم الثورة وتغذية جذوتها.

في أعقاب انتفاضة عام 1991، حقّق الشعب الكوردي في جنوب كوردستان (إقليم كوردستان) مكتسباتٍ سياسية وصحوة قومية متّقدة ومشهودة؛ غير أن هاجساً مؤرقاً وسؤالاً شائكاً ظل يتردد بمرارة في أذهان أهالي منطقة برواري دون صدى: متى نؤوبُ إلى الديار، ونستردُّ حقنا في الأرض والتراب؟

ووفقاً لشهادات أهالي المنطقة، فإنّه حتى بعد انتفاضة 1991، تحوّلت قراهم إلى ساحة حرب مستعرة ومستمرة بين حزب العمال الكوردستاني والجيش التركي، ممّا أدّى إلى إغلاق منافذ الحياة في وجه العديد منها وقطع الطرق عنها. ثمّ جاء التدخّل التركي المباشر وتمدّد قواعده وثكناته العسكرية ليزيد من وطأة الخوف، ويُكرّس حالة الحرمان والشتات. تتغير القوى، وتتبدل الرايات، لكنّ أصحاب الأرض والديار يقفون عاجزين عن التردّد على ترابه بحرية؛ إذ إنّ الجراح الغائرة في الجسد لا تندمل بتبديلات الرايات والأعلام ولا تعاقب وتغيير القوى…

من هذا المنظور، ينظر بعض أهالي برواري إلى أن إخلاء متينا جاء وكأنّه استجابةٌ متأخرة لابتهالاتهم ودعواتهم، وانتكاسة وهزيمة لسياسةٍ ضيّقت عليهم سُبل العيش. غير أنّ إخلاء الأنفاق وحده لا يعيد القرى إلى أصحابها؛ فبنظرهم بات وجود حزب العمال الكوردستاني ذريعةً للتوغل العسكري التركي، إلّا أنّ هذا لا يُعفي أنقرة ولا يُسقط من مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية عن تبعات هذا التدخّل السافر وما ألحقه من أضرار. وما لم تُفتح الطرق ويُستتب الأمان، فإنّ «الأرض المحرَّمة-المحظورة» ستظل قائمة، وإن اتّخذت شكلاً آخر.

يحقّ اليوم لأهالي منطقة برواري الذين سمعوا في الماضي وعوداً من حزب العمال الكوردستاني بتأسيس “كوردستان الكبرى”، واستمعوا إلى أدبياته التي نعتت حكومة الإقليم بـ “النظام الإقطاعي” وحثّت على وجوب إسقاطه وحتميّته، لديهم كامل المبرّر اليوم لمساءلة الحزب: ما الذي حقّقته تلك الشعارات لحياتنا وماذا جنينا من تلك الوعود؟! كيف يُوعد المرء بوطنٍ كبير «كوردستان كبرى»، بينما يُحرم ويُمنع من دخول قريته؟! وأي قيمة ومعنى يتبقّى للنضال التحرّري إذا أسفر عن تهجير ابن الأرض وحرمانه من موطنه؟!

بعد هذه الأربعين عاماً، هناك آلاف الشهداء، الجرحى، المعتقلين السياسيين، والمهجّرين النازحين… شبابٌ تركوا مقاعد الدراسة، وفرص العمل، ودفء العائلات ليخوضوا غمار الكفاح المسلّح… هذه التضحيات الجسام أمانةٌ في أعناق قيادة حزب العمال بكك، وهي المسؤولة عن تبعاتها ومآلاتها. بيد أنّ إجلال الشهداء واستذكارهم لا يعني إرغام الأحياء على استدامة التضحيات… وإنّ إنهاء الحرب قد يكون قراراً شجاعاً ومسؤولاً إذا ما فتح نافذةً جادة نحو استعادة الحياة والحقوق.

وهنا تتجلّى الفلسفة الجوهرية للسؤال: ما الذي يمكن أن يقدّمه مفهوم «الاتّحاد الديمقراطي» من حقوق ملموسة؟ وأيُّ ضمانات يمنحها للهوية الكوردية، واللغة الأم، والتعليم، والتنظيم السياسي، وإدارة شؤون الناس؟!

إنّ حرية أوجلان هي مطلبٌ حقوقي وسياسي، لكنّ حرية شعب تتطلب منظومةً صلبتها القوانين والمؤسّسات الراسخة، لتصون الحقوق وتستعصي على التغيّرات السياسية والقيادية.

فالشعب هو الغاية الأسمى لكلّ نضال، والتنظيم ليس سوى وسيلة لتحقيق هذه الغاية وبلوغها. ومن هذا المنطلق، تظلّ برواري بالا المعيار الأخلاقي لأي مشروع قومي أو إنساني؛ فالسلام لا يكتسب معناه الحقيقي إلا حين يعود المواطن البرواري إلى ديارهم وقراهم، ويزرع حقله، ويقرّر مصيره بحرية، دون أن تظلّ أرضه رهينةً لحروب القوى وصفقات المحاور والأقطاب…