فقد مصطلح “المنح” معناه حين جرى استخدامه لوصف ما هو في جوهره إعادة حقٍّ مسلوب. ومع ذلك، يصرّ جزء واسع من الإعلام العربي على تداوله بوصفه توصيفاً طبيعياً لكلّ خطوة تتعلّق بالكورد، سواء أكانت متّصلة بالجنسية، أو باللغة، أو بالهوية الجغرافية. وكأنّ الكورد جماعة طارئة، تنتظر رضى السلطة أو كرمها، لا مكوّناً أصيلاً جُرّد من حقوقه بقرارات تعسفية.
يشيع في الخطاب الإعلامي توصيف استعادة حقوق الكورد بمصطلحات من قبيل “المنح” و”السماح” و”النية الكريمة”. هذا الاستخدام المتكرّر لا يعبّر عن طبيعة هذه الملفات بوصفها حقوقاً مسلوبة، بل يعكس خللاً في مقاربة مفهوم العدالة، التي تعرض كإجراء استثنائي، لا كتصحيح لازم لسياسات سابقة.
والسؤال البديهي الذي يراد له أن يغيب: متى كان استرداد الإنسان لما سلب منه منّة؟
كيف يمكن توصيف إعادة حقّ مسلوب على أنّها “منح”؟ فالجنسية، والاسم، واللغة، ليست امتيازات تكتسب بقرار سياسي، بل حقوق ألغيت سابقاً بإجراءات معروفة. وبالتالي، فإن أي خطوة تعيد هذه الحقوق إلى أصحابها لا تمثّل منّة، بل تصحيحاً قانونياً لوضع غير طبيعي استمر لعقود.
فالكورد ولدوا في هذا المكان، وعاشوا فيه، ولم يغادروه، لا يمكن التعامل معهم كحالة تجنيس أو استثناء. استخدام مصطلح “منح الجنسية” في هذه الحالة يختزل القضية، ويخرجها من إطارها الحقوقي، ليضعها في سياق دعائي، يتجاهل سبب الحرمان، ويركّز فقط على لحظة الإعادة.
إن ما يسمّى “منح الجنسية” لم يكن سوى تصحيحٍ جزئي لخطأ إداري-سياسي ارتكب عام 1962، حين جرّد عشرات الآلاف من الكورد من جنسيتهم بقرار فوقي. ومع ذلك، يتجاهل الخطاب الإعلامي هذا السياق، ويبدأ السردية من نهايتها، ليظهر السلطة في موقع المنقذ، لا في موقع شراكة.
المنطق ذاته يعاد إنتاجه اليوم في ملف أسماء القرى والمدن كوردية، لا يكتفي الإعلام العربي بترديد الأسماء التي فرضت في مرحلة التعريب البعثي، بل يواصل استخدامها بوصفها التسمية الوحيدة، متجاهلاً الأسماء الأصلية المتداولة تاريخياً. هذا الاستخدام المتعمّد لا يمكن فصله عن سياق سياسي أوسع، إذ يعاد إنتاج التعريب هذه المرة عبر الخطاب الإعلامي، لا عبر القرارات الرسمية، بما يكرّس محو الأسماء الأصلية من التداول العام.
والحال أن تغيير أسماء القرى والمدن لم يكن إجراءً إدارياً بريئاً، بل فعلاً سياسياً هدفه قطع العلاقة بين المكان وسكانه، وتزوير، وإعادة إنتاج الجغرافيا بما يخدم سردية واحدة. لذلك فإن إعادة الأسماء ليست خطوة رمزية، ولا ترفاً ثقافياً، بل استعادة لمعنى المكان، تماماً كما أن إعادة الجنسية استعادة لمعنى المواطنة.
لكن الإعلام، بدلاً من تفكيك هذا الإرث، يصرّ على لعب دور المروّج للسلطة، مستخدماً لغة توحي بأن الكورد مطالبون بالامتنان، لا بالإنصاف. وهكذا تتحوّل الحقوق إلى ملفات قابلة للمساومة، ويختزل التاريخ في نشرة أخبار. المفارقة أن الخطاب ذاته الذي يكثر الحديث عن “الوحدة الوطنية” هو نفسه الذي يرفض الاعتراف بتعدد. إذ كيف يمكن لوحدةٍ أن تقوم على إنكار اسم قرية، أو طمس لغة، أو تقديم الهوية بوصفها هبة؟ الوحدة لا تبنى بالطمس، بل بالاعتراف، ولا تصان بالمنع، بل بالعدالة.
إن تفكيك مصطلح “المنح” ضرورة، لا ترفاً لغوياً. لأن تسمية الأشياء بغير أسمائها تبقي المجتمع أسير وهمٍ سياسي، يُقدَّم فيه الظلم كقدر، وتصحيح الخطأ كخطر. الحقيقة أبسط وأكثر فجاجة: ما أُخذ بالقوة لا يعاد بالفضل، بل يعاد لأنه حقّ. ومن هنا، فإن أي خطاب يتحدّث عن “منّة” في ملف الجنسية، أو الأسماء، أو الهوية، ليس خطاباً محايداً، بل خطاب يكرّس اختلال العلاقة بين الدولة ومواطنيها. فالدولة التي تعيد ما سلبته لا تستحقّ الشكر، بل تستحقّ المساءلة، ولماذا، ولماذا تأخرت.
إن المشكلة، في جوهرها، ليست في إعادة اسم قرية، ولا في استعادة جنسية، بل في الإصرار على عقلية ترى في الاعتراف بالآخر خسارة، وفي العدالة تنازلاً. وما لم يكسر هذا المنطق، سيبقى الإعلام يدور في حلقة إعادة إنتاج الظلم، مستخدماً مفردات ناعمة لتغطية واقع قاسٍ.