حين يستبدل “كوردستان سوريا” بتسميات مثل “شمال سوريا” أو “الجزيرة” أو “شمال وشرق سوريا” أو “روژ اڤا”، فالأمر ليس حيادًا لغويًا، بل عملية سياسية محسوبة بدقة.
هذه التسميات تقوم بثلاث وظائف خطيرة:
ـ تفصل الجغرافيا عن هويتها القومية.
ـ تحوّل القضية من قضية شعب إلى قضية إدارة.
ـ تنزع عنها أي امتداد تاريخي أو قانوني.
فـ “شمال سوريا” أو “روژ افا” توصيف اتّجاه، لا توصيف شعب. و”شمال وشرق سوريا” توصيف مؤقت، لا توصيف هوية.
بهذا الأسلوب، تختزل كوردستان في مساحة إدارية، ويختزل الشعب الكوردي في مكوّن ضمن مكوّنات، وتختزل القضية في ملف تفاوضي قابل للتنازل والمقايضة.
والهدف هو إبقاء الكورد بلا اسم واضح، لكي يبقوا بلا قضية واضحة.
حين نقول “كوردستان سوريا”، فنحن نقول ثلاث حقائق دفعة واحدة:
ـ إن سوريا ليست دولة قومية صافية بل دولة متعدّدة الشعوب.
ـ إن الكورد ليسوا جماعة مهاجرة بل أصحاب المكان.
ـ إن الحدود الحالية ليست قدرًا طبيعيًا بل نتيجة تقسيم استعماري.
فالاسم لا يطالب بالحكم الذاتي، ولا بالفيدرالية، ولا بالاستقلال، لكنّه يضع الأساس النظري لكلّ ذلك: الاعتراف بوجود قضية قومية لم تحل. ومن يعترف بالقضية، يضطرّ لاحقًا للاعتراف بالحقّ. ولهذا يمنع الاسم قبل أن يناقش الحقّ.
الإعلام العربي… شريك في الإنكار
في الفترة الأخيرة، لم يعد إنكار الاسم حكرًا على الأنظمة وأدواته، بل انتقل إلى جزء واسع من الإعلام العربي، الذي عاد بوعي أو بلا وعي إلى استخدام الأسماء المعرّبة التي فرضها البعث على القرى والمدن الكوردية.
هذا السلوك ليس خطأ مهنيًا. ولا جهلًا بريئًا. بل استمرار مباشر لمنطق سياسي قديم: نفي الوجود الكوردي عبر نفي لغته وجغرافيته. فعندما تسمّى المدن الكوردية بأسمائها البعثية، ويتجاهل أسماء كوردية، تعاد كتابة الخريطة كما أرادها مشروع التعريب، لا كما صنعها التاريخ. وهكذا يصبح الإعلام شريكًا فعليًا في محو الهوية، لا ناقلًا للخبر.
الاسم والقانون الدولي… حيث تثبت الحقوق
في السياسة الدولية، لا توجد حقوق بلا تسمية واضحة. فالقانون لا يعترف بـ “مناطق”، بل بـ “شعوب”. ولا يتعامل مع اتّجاهات جغرافية، بل مع أراضٍ محدّدة الهوية. فإن أي مشروع كوردي بلا اسم “كوردستان سوريا” يبقى مشروعًا ناقص الشرعية، ضعيف الحجة، هشّ الأساس.
فكيف يمكن المطالبة بحقّ تقرير المصير لشعب لا تسمّى أرضه؟
وكيف يمكن الدفاع عن قضية قومية داخل فضاء لغوي ينكر وجود القومية أصلًا؟
إن التخلّي عن الاسم يعني التخلّي المسبق عن السقف السياسي، وقبول الهزيمة قبل بدء التفاوض.
تفكيك الوعي الكوردي نفسه
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في موقف الدولة أو الإعلام، بل فيما حدث داخل الوعي الكوردي ذاته. حين نشأ جيل كامل لا يسمع اسم كوردستان سوريا في المدرسة، ولا في الإعلام، ولا في الخطاب الرسمي، فبدأ يتعامل مع أرضه كما لو كانت منطقة بلا اسم قومي، وحالة بلا تاريخ، ووجودًا بلا جذور. هنا تتحقق أخطر مراحل الإنكار:
أن يتخلّى الشعب عن اسم أرضه بيده، لا بقوة القمع بل بقوة الاعتياد. فالشعب الذي يتنازل عن التسمية، يتنازل لاحقًا عن السردية، ثمّ عن المطالب، ثمّ عن الحقّ نفسه.
الاسم شرط الشراكة… لا تهديدها
إن الذين يزعمون أن استخدام مصطلح كوردستان سوريا يهدّد وحدة البلاد، يتجاهلون حقيقة بسيطة: الوحدة التي تبنى على الإنكار، ليست وحدة بل قمع مؤجّل. والشراكة التي تقوم على محو هوية أحد أطرافها، ليست شراكة بل تبعية.
فالاعتراف بكوردستان سوريا هو الاعتراف بتعدّد سوريا الحقيقي. إن الخطر الحقيقي على وحدة البلاد لا يأتي من الاسم، بل من استمرار إنكاره.
ليس “كوردستان سوريا” مصطلحًا سياسيًا يمكن استبداله، بل حقيقة تاريخية لا يمكن دفنها. وهو لا يحارب لأنّه متطرّف، بل لأنه واضح. ولا يمنع لأنه عدائي، بل لأنه يفضح الجريمة الأصلية: اقتطاع أرض شعب وإنكار وجوده. فالكلمات التي تخيف الأنظمة، هي الكلمات التي تحمل الحقّ. والأسماء التي تحارب، هي الأسماء التي تختصر القضية.
ومن يتنازل عن اسمه اليوم، سيتنازل غدًا عن أرضه، وبعد غدٍ عن وجوده كلّه.