لسنوات، روّج عبد الله أوجلان لمفهوم ومصطلح “أخوة الشعوب” كبديل تقدّمي للدولة القومية والقومية التقليدية. في ظاهره، يُعدّ هذا الشعار نموذجاً مثالياً للتعايش السوي، ورفض القمع القومي، والاندماج المنشود بين الأمم والشعوب. إلّا أن التجربة العملية لهذا المفهوم، لا سيّما في سوريا، كشفت عمق فجوة هائلة بين الأقوال والأفعال.
في سوريا، تسبب مشروع ما يُسمّى بالإدارة الذاتية الديمقراطية وأخوة الشعوب في ظلّ أيديولوجية أوجلان في خداع الكورد وتضليلهم عن عمد وبناء صرح وهمي لا أساس له في روجآفا كوردستان.
يدرك أوجلان أكثر من غيره أن مشروع أخوة الشعوب مشروعٌ وهمي وهشّ، وأن الكورد لا يستطيعون قطعاً نيل حقوقهم القومية في إطاره. بل على العكس من ذلك تماماً، فإذا ما كان الكورد قد حقّقوا شيئاً ما فسوف يخسرونه مع وراء هذا المشروع المعوّج والملتوي والمعاق كما رأينا بأم أعيننا في روجآفا كوردستان. لأنه لم تتحقّق عبر التأريخ والأزمان ومن المستحيل أن تتحقّق أية أخوة حقيقية بين الكورد والشعوب والأمم الأخرى التي احتلت أراضي الكورد، إذ لا يُعقل أن يقبل أي كوردي سوى من انخدع بإيديولوجية أوجلان المعوجة، أن يقبل العرب والفرس والأتراك إخوةً له، لأن هذه الشعوب والأمم محتلة لكوردستان ويرفضون العيش مع الكورد كإخوة، بل يسعون دوماً إلى أن يكونوا هم المتسلّطين والكورد مستعبدين.
وقد أثبت الأحداث الأخيرة في سوريا بوضوح حقيقة أن مشروع أوجلان الوهمي هذا لا أنه لم يمنح حلاً للقضية الكوردية فحسب، بل خلق أيضاً المزيد من العقبات والعراقيل في طريق حلّ القضية الكوردية.
تتمثل أكذوبة أوجلان الكبرى في: تحويل مفهوم ومصطلح إنساني برّاق ومغري إلى أداة أيديولوجية لتبرير الهيمنة السياسية لحزبه. إن “أخوة الشعوب” لا معنى لها إلّا إذا قامت على حرية الاختيار والتعدّدية الحقيقية وحقّ النقد، لا عندما تصبح هذه الشعارات البراقة والطنانة ستارًا لترسيخ السلطة وأداة لإقصاء الآخرين. وقد أثبتت التجربة العملية السورية أنه بدون قوة عسكرية حقيقية، لن تكون حتى الشعارات الطنانة والفضفاضة سوى أدوات خداع وتضليل.
صحيح أن الكورد في روجآفا كوردستان الذين غيّر حزب العمال الكوردستاني بكك اسم وطنهم إلى “شمال شرق سوريا” لمجرّد إرضاء العرب، أرادوا اعتبار العرب إخوة لهم وكسبهم في ظلّ هذه الأكذوبة الكبيرة لأوجلان، فأشركوهم في إدارة مؤسّسات روجآفا كوردستان، وأسّسوا معهم قوة عسكرية مشتركة، ولكن فقط عندما كان العرب في مأزق ومشكلة التزموا الصمت وأظهروا قبولهم لأخوة الشعوب ودمقرطة الشعوب… ولكن عندما رأوا أن بإمكانهم قمع الكورد والتحكم بهم، وقفوا ضدّ الكورد، واحتلوا أراضيهم، ونهبوا ممتلكاتهم وسلبوا منازلهم، وأهانوا أطفالهم وشبابهم وعجائزهم… وأداروا فوهات بنادقهم إلى صدورهم…
والوضع نفسه في تركيا والعراق وإيران. فهذه الدول والأمم المحتلّة لكوردستان لا تقبل بأخوة الكورد إلا عندما يكون الكورد خاضعين لهم وعبيداً، وعندما يتعلّق الأمر بالحقوق المشروعة للكورد، تراهم يهاجمون الكورد كالذئاب الجائعة المتعطّشة للدماء، ويقتلونهم ويسفكون دماءهم، وينفونهم، ويجعلونهم بلا مأوى…
من يجب أن يُنتقد ويُلعن بسبب أحداث روجآفا كوردستان هو أوجلان وحده لا غير؛ لأن أوجلان وحزبه المنحلّ سعوا دوماً وما زالوا يسعون جاهدين لإلهاء الكورد وإشغالهم بالشعارات الطنانة كـ (أخوة الشعوب والأمة الديمقراطية والمجتمع الديمقراطي…) وما شابهها من العبارات الفارغة، وجعل الكورد عبيداً لمحتلّيهم ومستعمريهم، وطالما لم يتحرّر الكورد ولم يتخلصوا من هذه الأيديولوجية القذرة والعفنة، فلن يتمكنوا من تحقيق أياً من حقوقهم القومية-الوطنية…