لا تُدار القضية الكوردية اليوم على غيوم الخيال أو بالغوص في الأحلام أو الانغماس في الأوهام ولا في فراغ أخلاقي، ولا بالهتافات والشعارات البراقة والرنانة، بل باتت في قلب صراع جيوسياسي معقد متشعب تُسيطر عليه بالكامل معادلات القوة والنفوذ والمصالح والتحالفات الإقليمية والدولية.
في وضع كهذا، لا يقتصر معيار نجاح ونضج أي حركة سياسية كوردية على الإخلاص ودفء المشاعر والأحاسيس فحسب، بل يتعداه إلى تجربتها وخبرتها وبراعتها في تحويل الهوية والأحلام إلى مشروع سياسي حيّ ومتين يجبر العالم على الاعتراف به.
عندما ننظر إلى التجربة الكوردية في مختلف أجزاء كوردستان سنلاحظ فرقًا شاسعًا بين نهجين:
نهج ينظر إلى القضية باعتبارها قضية معارضة واحتجاجات وصرخات…
نهج ينظر إليها كعملية بناء سياسي ودولتية.
هنا، يبرز الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بقيادة الزعيم الكوردي مسعود بارزاني، كمثال على العقلية السياسية التي أدركت سريعًا أن لعبة الثورة الأبدية قد انتهت، وأن وقت قيام دولة ممكنة قد بدأ.
لم يكن هذا التحوّل عبثياً أو تخليًا عن المبادئ الوطنية، بل تصحيحًا ذاتياً للمسار نحو السيادة بشكل تدريجي ومرحلي، دون الحاجة إلى رفع شعارات صاخبة دون فعل، أو اقوال ومصطلحات دون ترجمتها إلى واقع.
بحنكة وحكمة بالغة، لم يُعلن الحزب الديمقراطي الكوردستاني نفسه عدوًا للنظام الدولي والإقليمي، بل سعى إلى إدراج القضية الكوردية ضمن شبكة العلاقات الدولية، لا خارجها. فأقام علاقات متينة ومحكمة مع الولايات المتّحدة الأمريكية وأوروبا والدول العربية، قد لا يكون هذا نابعاً من الحب والمودّة، ولكن إدراكاً منه لحقيقة أن أي كيان مهما كان صغيراً لا يمكنه البقاء دون مصالح مع القوى الكبرى. وهذا ليس تخلفًا، بل هو قمّة العقلانية وذروتها التي جعلت الكورد طرفًا رئيسيًا في هذه المعادلة المعقدّة، لا ضحية منسية مقصية متجاهل أمرها.
ففي العراق، قرّر الحزب الديمقراطي الكوردستاني الحكم بدلاً من المعارضة، فأدرج كيان إقليم كوردستان في الدستور، وأنشأ مؤسّسات الحكم والاقتصاد والأمن على أرض الواقع. وهذا ما نقل الوجود الكوردي من مرحلة الكفاح المسلّح إلى مرحلة الإدارة والاعتراف بشبه السيادة.
عند مقارنة هذه التجربة بتلك التي لا تزال عالقة في دوامة الاحتجاجات والمعارضة غير المجدية؛
لو نظرنا إلى الأجزاء الأخرى من كوردستان لرأينا، أنه في سوريا، لا يزال الكورد خاضعين للمنطق العسكري والمعادلات المؤقتة للقوى العظمى، دون اعتراف سياسي طويل الأمد.
وفي تركيا أيضاً، ورغم وجود خطاب حقوقي قوي، إلّا أن الأدوات السياسية المتاحة لتحويل هذا الخطاب إلى مكاسب مؤسّسية قليلة لو لم تكن معدمة.
بينما في إيران، لم يسمح الحصار والطوق الأمني المجال للحركة الكوردية بأن تصبح فاعلاً سياسياً على طاولة المفاوضات.
لهذا، فإن انتصار الحزب الديمقراطي الكوردستاني ونهج البارزاني ليس انتصاراً عاطفياً، بل هو انتصارٌ استراتيجي بامتياز.
صحيح أنه ربما قد لا يسجّل أية انتصارات في بعض المعارك الصغيرة، لكنه يعرف كيف يخوض معركة البقاء والفناء الوجود واللاوجود، ولم يضع كلّ شيء يملكه على طاولة واحدة. تكمن حكمته وحنكته في إدراكه ومعرفته الحقّة أن السياسة ليست قفزاً في الظلام، بل هي تحرّك ضمن الفرص الملائمة المحدودة واستغلالها على أمل توسيعها مستقبلاً.
وممّا لا شك فيه أن هذا النهج لا يخلو من دفع ضرائب وتكاليف بالغة. فالسياسات البراغماتية والواقعية قد لا تتوافق أحيانًا مع المشاعر الشعبية، وقد يراها البعض أخطاءً وعثرات، لكن إذا نظرنا إلى البديل، فسنجد أنه لا يعدو كونه عجزًا ومجرّد شعارات فارغة من أي محتوى، وبين قضية مقدّسة مباركة لكنّها معدومة النتائج ومشروع يعاني من أوجه قصور لكنّه يتقدم خطوة بخطوة، اختار الحزب الديمقراطي الكوردستاني الخيار الأخير.
باختصار، فإن الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة مسعود بارزاني هو النموذج الوحيد الذي فهم اللعبة الجيوسياسية بشكل كامل ويتعامل معها بعقلية الدولة، وليس بعصبية ثورية أو براغماتية استراتيجية أو رومانسية سياسية.
فهو لا يُغيّر قواعد اللعبة وقوانينها، لكنّه يعرف كيف يحقّق أفضل النتائج لشعبه وأمّته.
ففي عالمٍ لا تُمنح المكافآت والجوائز للنوايا الحسنة بل تمنح للإنجازات، لا يُعدّ هذا ضعفًا، بل ذروة الحكمة السياسية.