مرسوم الخداع – أداة قمع ناعمة

مرسوم الخداع - أداة قمع ناعمة

بقلم… ماهر حسن

ليس هذا مرسوم حقوق، بل وثيقة إدارة صراع. وليس اعترافًا، بل محاولة متأخّرة لتبييض سياسة إنكار، لم تتوقّف يومًا، ولم تتراجع خطوة واحدة عن جوهرها.

المرسوم الرئاسي الأخير لا يعالج القضية الكوردية، ولا يقترب منها أصلًا. هو نصّ كُتب ليقال إن شيئًا ما قد قيل، لا ليفعل شيء. وهو صادر عن سلطة مؤقتة، لكنّها تمارس عقل الدولة العميقة كاملة: نفس اللغة، نفس السقف، ونفس الخوف المزمن من أي شراكة حقيقية.

القول إن الكورد “جزء أصيل من الشعب السوري” ليس إنجازًا سياسيًا، بل تكرار فجّ لعبارة استهلكت حتّى فقدت معناها. هذه الجملة قيلت آلاف المرات، فيما كانت الأرض تجرَّد من أصحابها، واللغة تمنع، والهوية تُطارد، والمواطنة تجزّأ. الاعتراف الذي لا يغيّر ميزان السلطة ليس اعترافًا، بل خدعة لغوية.

المشكلة الجوهرية في المرسوم أنه يعترف بالكورد بوصفهم وجودًا، لا بوصفهم شعبًا صاحب حقوق. يعترف بهم كحقيقة اجتماعية، لا كطرف سياسي. وكأن المطلوب من الكورد أن يرضوا بأن يعترف بوجودهم فقط، بينما تسحب منهم أدوات تقرير مصيرهم داخل دولتهم.

أما الحديث عن “هوية وطنية موحدة متعددة”، فليس سوى قيد مسبق على أي مطلب مستقبلي. هذه العبارة لا تستخدم هنا لتوسيع مفهوم الدولة، بل لتحديده وإغلاقه. التعدد مسموح ما دام غير ملزم، غير سياسي، وغير قابل للتحوّل إلى سلطة أو قانون أو إدارة ذاتية.

اللغة الكوردية، في هذا السياق، تعامل كمنّة. “لغة وطنية” بلا رسمية، بلا إلزام، بلا حماية دستورية. تدرس إذا سمحت السلطة، وتمنع إذا تغيّر الظرف. أي لغة هذه التي تحتاج إلى موافقة أمنية كي تستخدم؟ هذا ليس اعترافًا لغويًا، بل إبقاء للغة في الهامش، تحت السيطرة، وخارج المجال العام.

أما إحصاء 1962، فالتعامل معه في المرسوم يعدّ إهانة مضاعفة. واحدة من أبشع الجرائم القانونية والسياسية في تاريخ سوريا تختزل في فقرة عامة، بلا محاسبة، بلا اعتراف بالذنب، بلا تعويض، بلا عدالة انتقالية. كأن مئات آلاف البشر الذين جرّدوا من جنسيتهم كانوا مجرد خطأ إداري، لا ضحايا سياسة دولة.

حتى الرموز، مثل النوروز، لم تسلم من هذا التفريغ. تحويله إلى عطلة رسمية منزوعة المعنى القومي ليس خطوة تصالح، بل عملية احتواء. الرمز يؤخذ، يُعاد تعريفه، ثمّ يفرغ من دلالته الأصلية، ليصبح آمنًا، غير مقلق، وغير مطالب بشيء.

الأخطر في النصّ هو لغته العقابية المقنّعة. الحديث عن “تجريم التحريض القومي” من دون تعريف، في دولة اعتادت تخوين أي خطاب كوردي مستقل، ليس حماية للتعايش، بل تهديد مبطّن. الرسالة واضحة: يمكنكم الكلام، لكن ضمن حدودنا، وبشروطنا، وبالسقف الذي نرسمه لكم.

هذا المرسوم لا يبني دولة، بل يدير خوفًا. لا يفتح أفقًا، بل يغلق نقاشًا. لا يؤسّس لشراكة، بل يحاول تفكيك مطالبها قبل أن تتبلور.

السؤال الحقيقي الذي يهرب منه النصّ هو: أين الكورد في السلطة؟ أين تمثيلهم السيادي؟ أين حقهم في إدارة مناطقهم؟ أين ضمان الدستوري أن ما كتب اليوم لن يلغى غدًا؟

من دون إجابة عن هذه الأسئلة، يبقى المرسوم مجرّد أداة علاقات عامة، تستخدم داخليًا لتفريق الصف الكوردي، وخارجيًا لتقديم صورة زائفة عن “حل قادم”، بينما الواقع يقول العكس تمامًا.

لا يمكن بناء سوريا جديدة بعقل المراسيم المؤقتة. ولا يمكن إنهاء قضية شعب عبر اعتراف لفظي. ولا يمكن التذاكي على شعب دفع دمًا، لا شعارات. الحلّ ليس في نصوص تكتب من طرف واحد، بل في شراكة تفرض بالحقوق، لا بالفتات. وأي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة، ليست فشلًا سياسيًا فقط، بل تمهيدًا لصدام جديد

مقالات ذات صلة