لقد أصبح الإعلام في بعض وجوهه آلة لصناعة العداء، ومصنعًا للكراهية، يزرع الأحقاد في النفوس، ويحوّل الآخرين إلى خصوم دائمين، وكأنّهم عقبة مستمرة أمام الرؤية المطلقة لمروجيه. لم يعد دوره مقتصرًا على نقل الأخبار، أو نقل الوقائع كما هي، بل أصبح أداة لإعادة تشكيل الواقع وفق مصالح محدّدة، وتحويل التفاصيل اليومية إلى مادة للتحريض، وإشغال العقول بالمجهول، وتحويل الاختلاف إلى تهديد دائم، وكأنّ التنوع في الرأي والاختلاف في التفكير جريمة يجب مكافحتها.
أحيانًا، يبدو الخبر وكأنّه يقرأ علينا كتعليمات، كلّ تقرير له نبرة وإيقاع معدّ بعناية لتوجيه الانفعال قبل العقل، كلّ صورة، كلّ تعليق، كلّ تحليل مختصر، لا يهدف إلى الفهم بل إلى إثارة المشاعر وإبقاء الجمهور في حالة من التوتّر الدائم. هذه الآلية تصنع واقعًا نفسيًا متقنًا؛ يجعل الغضب المستمر والريبة جزءًا من طبيعة الحياة اليومية، ويحوّل الناس إلى ضحايا شعور دائم بالتهديد، عاجزين عن التفكير بوضوح، أسيرين لأحاسيسهم قبل وعيهم.
أسلوب التحريض هنا دقيق ومقنّن، ينجح لأنّه لا يعتمد على الصراخ أو المبالغة الواضحة، بل على التسلسل الخفي للأحداث والمفاهيم المغلوطة، والتكرار المستمر للتلميحات والاتهامات غير المباشرة. يترك الناس أسرى لمشاعرهم، غير مدركين أن مصدر هذه الأحقاد ليس الواقع المحيط بهم، بل آلة تعمل بصمت على إنتاج الكراهية باستمرار، تغذي الشكوك وتزرع الانقسامات وتخلق دوامة من الاحتقان النفسي والاجتماعي، تجعل كل خبر يقرأ أو يشاهد جزءًا من سياق أكبر للغضب والتحريض.
هذا الإعلام لا يقيم وزنًا للموضوعية، ولا يعرف حدودًا للمنطق، ولا يسعى لفهم الواقع أو تفسيره. التفكير النقدي لا مكان له في معادلاته، والنقاش العقلاني غير مطلوب، وكلّ محاولة لمساءلة أو تقييم هادئ تعتبر تجاوزًا أو تهديدًا للمنظومة التي بنيت لإبقاء الجمهور تحت تأثير الانفعال المستمر. الهدف الأسمى هو إبقاء المشاهد أو القارئ مشغولًا بالعداء، مستسلمًا لغضبه، غارقًا في عالم مصطنع يبعده عن الحقائق الكبرى: الظلم الذي يمارس، الفقر الذي يتفاقم، الفوضى التي تتعمّد بعض الجهات إذكائها لتظل السيطرة كاملة على وعي الناس وسلوكهم.
هذا الإعلام يستخدم أدوات متعدّدة لإبقاء الجمهور في حالة من الغضب الدائم: اختيار الكلمات بعناية، تصوير الأحداث بإطار يثير الانفعال، التركيز على الشائعات أكثر من الوقائع، وتصوير الآخرين على أنهم تهديد مستمر، حتى تصبح حياة الناس اليومية مجرّد مسرح للتحريض النفسي والاجتماعي. في كلّ لحظة، يعاد إنتاج الكراهية، ويعزّز الشعور بالعجز، ويستنزف الجمهور عاطفيًا ونفسيًا، دون أن يشعر بأنّ كلّ ذلك مخطّط له.
النتيجة الحتمية لهذه الآلية هي مجتمع متوتّر، غارق في الصراع الداخلي، يغرق أفراده في الشكوك والريبة، عاجز عن رؤية الواقع كما هو، غير قادر على بناء علاقات سليمة، أو العمل المشترك، أو التمييز بين الحقيقة والتزييف. يصبح الغضب سلوكًا اعتياديًا، والكراهية منهجًا يوميًا، والشعور بالتهديد حالة مستمرة، وكلّ ذلك تحت مظلة إعلام يصنع العداء قبل أن ينقل الخبر.