ما يجري في كركوك ليس سياسة، ولا يمكن اختزاله في لغة إدارة المرحلة أو توازنات كما يراد له أن يمرر. هو عبث سياسي فجّ، وفرض وقح لإرادة لا تستند إلى حقّ أو شرعية، وإنّما إلى سياسة مؤقتة تستثمر لتمرير وقائع على الأرض وإعادة تشكيل المشهد وفق حسابات آنية ضيقة.
تعيين محافظٍ تركماني في كركوك لا يمكن التعامل معه كإجراءٍ إداري عابر أو بروتوكولي، بل خطوة سياسية مكشوفة، تحمل رسالة واضحة: إعادة رسم هوية مدينةٍ أريد لها مراراً أن تنتزع من سياقها الكوردستاني. هذه ليست إدارة دولة، إنّما محاولة لتطويع الجغرافيا بالقوة الناعمة بعد أن فشلت أدوات القوة الخشنة في مراحل سابقة.
لا تخدعوا أنفسكم ولا الآخرين. حين يقدم هذا القرار تحت عناوين التوافق والشراكة، فذلك لا يغير من الحقيقة شيئاً. هذه ليست مفاهيم بريئة في هذا السياق، بل أدوات لغوية لتغطية واقع مختل، يراد له أن يبدو طبيعياً وهو في جوهره غير ذلك تماماً.
لكنّ الأخطر من القرار نفسه، هو هذا الانحدار لبعض الأطراف في الخطاب السياسي والإعلامي. فجأة، امتلأت الساحة بأصواتهم الشاذّة تتحدّث بلغة العقلانية والواقعية والضرورة. كلمات تبدو أنيقة في ظاهرها، لكنّها في هذا السياق تحديداً ليست سوى قناع رقيق لهزيمة سياسية وأخلاقية يجري تسويقها كخيار عقلاني.
هذه ليست واقعية، بل تبرير للواقع المفروض بالقوة وقبول بالانكسار مع محاولة تجميله لغوياً. الأخطر من الفعل السياسي نفسه هو تحويل الاستسلام إلى فضيلة، والخضوع إلى “قراءة ناضجة للمرحلة”.
من يبرّر اليوم يعرف الحقيقة جيداً، لكنّه اختار دفنها، لكونه مستفيداً. لا أحد هنا في منطقة رمادية. إمّا أن تكون في مواجهة محاولة إعادة فرض واقعٍ سياسي على هوية مدينة كوردية، أو أن تكون جزءاً من ماكينة تمرير هذا الواقع وتثبيته.
كركوك ليست منصب محافظ، وليست مقعداً في معادلة حكم، وليست ملفاً يوزع بين الأطراف. كركوك كوردية الهوية، ولا يمكن محوها بقرار، ولا إعادة صياغتها ببيان، ولا تقاسمها على طاولة تفاوض وكأنها غنيمة سياسية.
لقد جرّب كلّ شيء من قبل: سياسات التعريب، الإقصاء الإداري، التغيير الديموغرافي، الضغوط الأمنية، وإعادة رسم الوقائع على الأرض. ومع ذلك، لم تنتزع الحقيقة من مكانها. فكيف يراد إقناع الناس اليوم أن قراراً سياسياً، مهما كان شكله، قادر على ما فشلت فيه مشاريع وأنظمة كاملة؟
والأكثر فجاجة أن بعض من يتحدّثون اليوم كانوا بالأمس يرفعون الصوت عالياً بكوردية كركوك. اليوم، نفس الأشخاص، بنفس الوجوه، انقلبوا إلى مبرّرين. ليس لأن الحقيقة تغيّرت، بل لأن المصالح تغيّرت.
ما يجري اليوم واضح تماماً: محاولة لإعادة فرض صيغة سياسية على كركوك، عبر أدوات رسمية، وتواطؤ سياسي، وصمت محسوب، وتبرير إعلامي منظم. وفي المقابل، محاولة لفرض هذا الواقع كأنه قدر لا يمكن تغييره.
لكن الحقائق لا تلغى بهذه الطريقة. يمكن تأجيلها، يمكن تشويهها، يمكن الالتفاف عليها، لكن لا يمكن محوها.
لتكن العبارة الأخيرة بلا أي تردّد: كركوك لا تعاد كتابتها بقرارات، ولا تصاغ هويتها بتفاهمات مؤقتة، ولا تختصر في منصب أو معادلة. كركوك ليست موضوع تفاوض على أصلها.
ومن يظنّ أن هذا المسار يمكن أن يمرّ بلا ثمن سياسي أو تاريخي، فهو لا يقرأ الواقع، بل يتجاهله.
وفي النهاية، حين يسقط الضجيج، وتخفت هذه اللغة المزدوجة، سيبقى سؤال واحد فقط، بسيط وقاسٍ في آنٍ واحد: من كان مع الحقيقة… ومن كان جزءاً من محاولة طمسها؟!