عندما يُذكر أن عرباً يعيشون في مدن كوردية، يُفتح فوراً حديث “الشراكة” و”التقاسم”، وإعادة ترتيب المدينة سياسياً: من يديرها، من يشارك في قرارها، وكيف تدار أصلاً؟ تتحول المسألة سريعاً إلى نقاش حول الحقوق، لكن في الاتّجاه الآخر، يسكن الكورد في مدن عربية مثل دمشق أو حلب أو غيرها، يختفي هذا الخطاب تماماً. لا يطرح أي سؤال عن الشراكة، ولا يفتح أي نقاش حول التقاسم، ولا يعاد تعريف المدينة أصلاً. تعامل تلك المدن وكأنّ هويتها عربية محسومة ونهائية، لا يدخلها الجدل، ولا يطالها نفس المنطق الذي يستخدم في مناطق أخرى!
هل يوجد اليوم من يطالب بوجود ممثّل عن الكورد يفرض شراكته السياسية في دمشق أو حلب أو غيرها من المدن لأن هناك أحياء كوردية فيها؟ هل خرج أحد وقال إن على أهالي دمشق أن يتقاسموا مدينتهم سياسياً لأن الكورد يعيشون فيها؟ هل فرض على حلب أن تعاد صياغة هويتها لأن فيها مكون الكورد؟ طبعاً لا.
لكن عندما يتعلّق الأمر بكوردستان سوريا، تتغيّر كلّ القواعد فجأة. تصبح كوباني “مشتركة”، وعفرين “متنوعة”، والحسكة “يجب أن يتقاسمها الجميع”. لماذا؟ لأن المطلوب دائماً هو تفكيك أي هوية كوردية واضحة وتحويلها إلى مساحة مفتوحة لفرض التوازنات السياسية عليها.
كوباني التي لم يكن فيها عربي واحد تقريباً، أصبحت فجأة منطقة يجب أن يتقاسم قرارها أشخاص لم تكن لهم أي جذور فيها أساساً. بأي منطق؟ هل تدار المدن وفق تاريخها وتركيبتها السكانية، أم وفق من يملك القوة اليوم؟
وعفرين، التي كانت كوردية بشكل واضح قبل الاحتلال والتغيير الديموغرافي، يراد اليوم تقديم الواقع المفروض فيها وكأنّه حالة طبيعية يجب القبول بها. وكأنّ تهجير الناس من بيوتهم وإحلال آخرين مكانهم مجرّد أمر عابر لا يغيّر شيئاً من حقيقة المنطقة.
أمّا الحسكة، فالمشهد أكثر استفزازاً.
المستوطن الذي جرى توطينه ضمن مشاريع الحزام العربي والغمر، في محاولة ممنهجة لتغيير هوية المنطقة وكسر هويتها الكوردية، يقدّم اليوم كصاحب حقّ كامل، وكأن عقود التعريب كانت مشروعاً وطنياً مشروعاً يجب احترام نتائجه لا محاسبتها!
السؤال بسيط جداً:
لماذا يطلب دائماً من الكورد التنازل عن حقيقة مناطقهم؟ ولماذا تتحوّل أي منطقة كوردية واضحة الهوية إلى قضية “شراكة وتقاسم”، بينما لا يجرؤ أحد على طرح المنطق نفسه في باقي المدن السورية؟
الأمر لا يتعلّق بالتعايش كما يحاول البعض أن يروّج، وإنّما يتعلّق بمحاولة تذويب أي هوية كوردية واضحة وتحويلها إلى حالة ضبابية بلا ملامح. هناك إصرار دائم على أن تكون المناطق الكوردية وحدها مفتوحة لإعادة التعريف وإعادة التشكيل، بينما تترك هويات الآخرين كما هي، لا يقترب منها أحد.
المشكلة ليست في التعايش، بل في فرض واقع سياسي بالقوّة ثمّ مطالبة أصحاب الأرض باعتباره أمراً طبيعياً.