“قانون الحشد” الذي أفشل البرلمان العراقي نصف العام… قد يفشل الحكومة لما تبقّت من عمرها!

"قانون الحشد" الذي أفشل البرلمان العراقي نصف العام... قد يفشل الحكومة لما تبقّت من عمرها!

مواجهة حتمية مع واشنطن وتحذيرات من تداعيات الخطوة…

يقف البرلمان العراقي أمام اختبار جديد مع اقتراب مناقشة قانون الحشد الشعبي، الذي يُعاد طرحه وسط أجواء مشحونة بالجدل، فالحديث عن دخول بعض النواب بزي الحشد الشعبي إلى قاعة البرلمان يعكس رمزية الصراع حول مكانة هذه القوة ومستقبلها، بين من يراها استحقاقاً وطنياً ومن يعتبرها تهديداً لبنية الدولة وعلاقات العراق الخارجية.

وقال رئيس منظمة بدر، هادي العامري في تدوينة إن “البرلمان أمام اختبار وتحدٍ تاريخي كبير لإقرار قانون الحشد الشعبي بعيداً عن أي تأثيرات داخلية أو خارجية” مؤكّداً على أنه “سيدخل البرلمان بزيّ الحشد وفاءً للشهداء والجرحى والمرجعية الرشيدة”.

بدوره، أعلن النائب المقرّب من الميليشيات العراقية المسلّحة مصطفى سند، البدء بجمع تواقيع نيابية لعقد جلسة للتصويت على القانون.

وقال سند إن “100 نائب من أصل 329 أبدوا استعدادهم للتصويت على تمرير القانون” مضيفًا أن “الجلسة ستكون باللباس العسكري لإظهار التحدي”.

وأشار في تصريح إلى أن عملية جمع التواقيع شملت حتى “أخذ قياسات النواب لشراء ملابس عسكرية لهم، بينها بدلات وكاسكيتات، بما يشمل حتى النائبات”.

وتسود حالة من القلق في الأوساط السياسية والشعبية بشأن القانون، الذي اعتُبر “فخًا لإضفاء الشرعية على الفصائل والميليشيات المسلّحة” داخل الدولة العراقية، ما قد يفتح الباب أمام أزمات سياسية وأمنية جديدة، ويزيد حدّة الانقسام الداخلي.

وتأتي التطورات في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الغربية والأمريكية من تمرير القانون، فقد أكّد المتحدث باللغة العربية باسم وزارة الخارجية الأمريكية، مايكل ميتشل، أن واشنطن قد تفرض عقوبات اقتصادية على العراق إذا أُقر القانون، في إطار سياسة “الضغط الأقصى على إيران”. وأضاف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “لن يتردّد في اتّخاذ موقف أكثر صرامة ضدّ أي كيان أو دولة تربطها علاقات غير قانونية بطهران”.

وفي السياق نفسه، صرّح السفير البريطاني لدى العراق عرفان صديق، في الثامن من آب/ أغسطس الجاري بأن “الحاجة إلى الحشد الشعبي قد انتفت” وهو ما أثار عاصفة من الانتقادات الداخلية، ودفع وزارة الخارجية العراقية إلى توجيه اعتراض رسمي شديد اللهجة واعتبار تصريحاته “تدخّلاً سافراً في الشأن الداخلي”.

أما القائم بأعمال السفارة الأمريكية في بغداد، ستيفن فاجن، فقد عبّر خلال لقائه بالنائب الأول لرئيس البرلمان محسن المندلاوي عن “قلق واشنطن من مشروع قانون الحشد” معتبراً أنه “يهدّد سيادة العراق ويعزّز نفوذ طهران” محذّراً من أن القانون سيمنح الجماعات المسلّحة “غطاءً قانونياً يضعف مؤسّسات الدولة”.

تراجع المواقف…

على الضفة الأخرى، شنّ الكاتب والمحلّل السياسي نزار حيدر هجوماً لاذعاً على بعض القيادات، واصفاً إياهم بـ “شيعة بريمر” الذين “لا يريدون إقرار قانون الحشد الشعبي رغم أنهم كانوا الأكثر ضجيجاً بالمطالبة به في السابق”.

وأكّد حيدر أن “النائب الأول لرئيس البرلمان محسن المندلاوي كان قد رفع راية تشريع القانون في خطاباته وتغريداته، بل لوّح مراراً بضرورة إقراره كاستحقاق وطني، لكنّه منذ لقائه بالقائم بالأعمال الأمريكي لم يكرّر أي موقف داعم” الأمر الذي اعتبره “تراجعاً فاضحاً يضعه أمام اختبار وطني وأخلاقي”.

وأوضح حيدر أن “هذا الصمت المريب أفقد الشارع ثقته ببعض النواب، الذين كانوا يدّعون الحماسة لقانون الحشد ثمّ أداروا ظهورهم فجأة” مشيراً إلى أن “المواطن العراقي بات يشعر أنه عُلس – أي خُدع – من قبل قيادات تخلّت عن وعودها بمجرد مواجهة ضغط أمريكي”.

وأضاف بأن “الأيام المقبلة ستكشف إن كان هؤلاء بالفعل وطنيين يحمون دماء الشهداء ويصونون فتوى المرجعية، أم أنهم مجرّد أبناء سفارات لا يجرؤون على مخالفة ما يُملى عليهم من الخارج” مختتماً حديثه بالقول: “القانون أصبح معياراً فاصلاً بين القوى الوطنية الحقيقية وبين تلك التي ترتهن لمصالح خارجية”.

ولم يكن قانون الحشد الشعبي، وليد اللحظة، فقد صدر لأول مرة عام 2016 ليضفي الشرعية على قوات تشكلت بفتوى المرجعية الدينية عام 2014 في مواجهة تنظيم داعش. ورغم إقراره آنذاك، بقي الجدل مستمراً حول مكانة الحشد داخل المؤسّسة العسكرية العراقية، وحول تبعيته لرئيس الوزراء باعتباره القائد العام للقوات المسلحة.

وخلال السنوات الأخيرة، ظهرت محاولات لتطوير القانون ليشمل جوانب إدارية ومالية أوسع، خصوصاً ما يتعلّق بالخدمة والتقاعد لمنتسبيه، إلا أن هذه المحاولات اصطدمت دائماً بضغوط خارجية، وخاصة من الولايات المتّحدة التي ترى في الحشد امتداداً لنفوذ إيران، ومن بعض القوى الداخلية التي تخشى من تضخم صلاحياته على حساب الجيش والمؤسسات الرسمية.

الانقسامات داخل الإطار التنسيقي

وحتى داخل القوى الشيعية، لا يبدو الموقف موحّداً، فبينما تدفع فصائل بارزة مثل منظمة بدر وميليشيا عصائب أهل الحق وميليشيا حركة النجباء نحو تمرير القانون بشكل عاجل، تتحفظ أطراف أخرى داخل “الإطار التنسيقي” خشية من تداعياته السياسية والأمنية والاقتصادية.

وتشير مصادر برلمانية إلى أن الخلاف وصل إلى حدّ تبادل الاتّهامات بين قيادات الإطار حول المسؤولية عن تأخير تمريره، حيث يعتبر بعضهم أن رئيس هيئة الحشد فالح الفياض لم يعد قادراً على إدارة الملف بشكل متوازن، فيما تطرح أطراف أخرى خيار تغيير القيادة كجزء من التسوية.

وهذا الانقسام الداخلي انعكس بوضوح على أداء البرلمان، الذي فشل منذ منتصف شباط/ فبراير الماضي في عقد جلسات كاملة النصاب لمناقشة القانون، وسط تعطيل متعمّد من بعض الكتل التي لا تريد مواجهة مباشرة مع واشنطن أو لندن.

جلسات مرتقبة تحت ضغط

ومن المقرّر أن يستأنف البرلمان العراقي جلساته خلال الأيام المقبلة، حيث سيكون قانون الحشد الشعبي مطروحاً بقوة على جدول الأعمال، وسط انقسام داخلي وضغوط إقليمية ودولية كبيرة، وكان رئيس البرلمان محمود المشهداني قد كشف في وقت سابق عن رسائل أمريكية للقادة السياسيين تحذّر من تمرير القانون وتلوّح بتظاهرات قد تدفع البلاد إلى إعلان “حكومة طوارئ”.

ورغم هذه الضغوط، يتمسّك مؤيدو القانون بتمريره باعتباره “وفاءً للشهداء” وضمانة قانونية لمستقبل آلاف المنتسبين، في حين يرى معارضوه أنه يهدّد بتوسيع نفوذ الفصائل والميليشيات المسلّحة الولائية على حساب مؤسّسات الدولة ويعرض العراق لعقوبات اقتصادية وسياسية قاسية.

مقالات ذات صلة