تُقابل عملية اندماج روجآفا كوردستان-كوردستان سوريا في نظام دمشق موجةَ غضب وسخط ورفض شديد وردود فعل عارمة من قبل الرأي العام الكوردي. في خضم ذلك، تبذل المنظومة الإعلامية التابعة لحزب العمال الكوردستاني بكك جهوداً حثيثة ومكثّفة ومحاولات جادة لإجهاض وإضعاف ردود الفعل المشروعة تلك، وتوجيه الوعي الجمعي والرأي العام الكوردي وتحريف الحقائق وتزييف الوقائع؛ حيث تُصوّر أنّ ما يجري وكأنّه «عملية طبيعية» بل و«مكسب تاريخي». وكجزء من هذا المخطّطات والمحاولات، يُعاد تقديم وعرض قيادات روجآفا كوردستان في أبهى حلة أمام الشارع الكوردي عبر منصات إعلامية، وتُعدّ قناة (إيلكي-İlke TV) والتي تبث من داخل تركيا، إحدى هذه المنصّات الرئيسية التي تتولى قيادة حملة التلميع والتبييض هذه.
إذ تتركز الأجندة الرئيسية لهذه القناة على تسويق سياسة “الاندماج” لـ أوجلان وجعلها مقبولة كوردياً تماماً، عبر برامج يومية موجّهة. وتأتي اللقاءات الأخيرة التي أجرتها هذه القناة مع مظلوم عبدي وإلهام أحمد في هذا السياق تماماً؛ إذ تهدف إلى إقناع الكورد بتقبّل عملية الاستسلام والخنوع الراهنة في روجآفا كوردستان-كوردستان سوريا.
وتندرج المقابلة التي أجرتها الإعلامية بانو گووڤن مع إلهام أحمد في هذا الإطار تماماً، إذ تمّت مقابلة بانو گووڤن وفق سيناريو أُعدّ بدقة متناهية؛ حيث سخرت گووڤن خبرتها الصحفية لفتح المجال أمام إلهام أحمد لإضفاء مشروعية زائفة على عموم عملية وأحداث روجآفا برُمتها. بينما من جانبها، تحدّثت إلهام أحمد وكأنها لا تمثل منطقة قدمت أكثر من 15,000 شهيد، بل وكأنّها ممثّلة لبلدٍ يعيش برفاهية لا نظير لها كـ النرويج! ومعاً، اعتمدتا أسلوباً اختزالياً يُشبه «من يُعرّف شجرة عملاقة من خلال أوراقها»، فاختصرتا رحلة ومسيرة 15 عاماً لروجآفا كوردستان المليئة بالقرابين والتضحيات في مجرّد كم اجتماعات تُعقد في دمشق، ممارستين تضييقاً فكرياً لحجب الحقيقة وإخفائها.
ولفهم الحقيقة والواقع… لا بدّ أولاً من طرح هذا السؤال: من هي إلهام أحمد؟
إلهام أحمد أو «روناهي عفرين» كما تُعرف باسمها الحركي داخل حزب العمال الكوردستاني بكك، واحدة من ثلاث شقيقات انضممن لرفوف العمال الكوردستاني بكك من حلب مطلع تسعينيات القرن الماضي. ولسنوات ظلّت شخصية هامشية غير معروفة وغير مؤثّرة، إلى أن تغيّر دورها بشكل جذري مع تأسيس حزب العمال الكوردستاني لحزب الاتّحاد الديمقراطي (PYD)، حيث صعدت في الهيكل التنظيمي وتسنّمت مناصب بارزة ولعبت دوراً هامّاً بفضل قربها المباشر من القيادي جميل بايك، وبالأخص مع اندلاع أحداث سوريا عام 2012، حيث تحول قدر ومستقبل إلهام أحمد لتصبح الوجه الدبلوماسي الأبرز. وبينما كان روجآفا كوردستان يغرق في الدماء والمجازر والإبادات وتنعدم فيه مقومات الحياة من كهرباء وماء، كانت جولات التجميل والأزياء الفاخرة التي تظهر بها إلهام أحمد في صالونات باريس تحت مسمى “الدبلوماسية” محطّ جدل ونقاش وشائعات بين كوادر الحزب ورفوفه، غير أنّها ظلّت تحظى بحماية مستمرة من القيادة العليا للحزب.
وبعيداً عن التفاصيل الدقيقة، فإن إلهام أحمد هي عضو مباشر وفعال في قيادة العمال الكوردستاني ولا تتحرّك مستقلّة خارج الخط السياسي لأوجلان؛ فهي إحدى أدوات تدريب وترسية هذا المشهد وهؤلاء هم الذين يُحرّكون تروس النظام ودواليبه من خلف الكواليس. ومن هذا المنطلق، فإن صبّ اللوم الكوردي على مظلوم عبدي وحده يُعد تحليلاً قاصراً؛ كون عبدي لا يعمل بمفرده، بل تقف خلفه قيادات نافذة مثل إلهام أحمد، زاخو زاگروس، سيبان حمو، وباهوز أردال خفية.
السيدة إلهام هي ذاتها التي كرّرت على كلّ المنصات في أمريكا وأوروبا عبارتها الشهيرة: «نحن لا نريد تقسيم سوريا؛ ولا نطالب بدولة؛ ولا نريد حتى الفيدرالية». فعدم حصول الكورد في روجآفا كوردستان حتى اليوم على أي ضمانات دستورية؛ يقف وراءها إلهام أحمد التي كانت تجوب العواصم لتعلن “لا نطالب بشيء” فهي تُعتبر مهندسة هذه السياسة المجرّدة من المطالب، والتي تركت روجآفا تحت رحمة دمشق.
وفي المفاوضات مع دمشق، تمّ إهمال قضية “الهوية الكوردية وحقّ الكورد في الإدارة الذاتية” إلى حدّ أن إلهام أحمد صرّحت في إحدى المقابلات بشأن التعليم باللغة الكوردية قائلة: «الطلاب يتكلمون الكوردية لغاية اليوم، ولا يمكنهم التحوّل فجأة إلى العربية؛ هذه مشكلة جدّية وستخلق مشاكل وتُحدث إرباكاً في النظام التربوي والتحصيل الأكاديمي للأطفال».
أي أنّه بالنسبة لـ إلهام أحمد فإنّ قضية التعليم باللغة الأم ليس حقّاً وجودياً أو قومياً للشعوب، بل إنّ المسألة غدت في نظرها وبالنسبة إليها مجرّد إشكالية تتعلّق بعلامات الأطفال ومعدلاتهم الدراسية!
الذهنية ذاتها تتجلّى في ملف التمثيل السياسي؛ فوفقاً للاتّفاق المبرم مع دمشق، ستصبح إلهام أحمد عضوة في إحدى لجان البرلمان السوري، بعبارة أخرى، ستصبح عضوة برلمانية مُعيّنة من قبل النظام. والغريب أن الذين كانوا يقولون حول ترشيح أعضاء المجلس الوطني الكوردي في سوريا (ENKS) في الحسكة للتمثيل في البرلمان السوري سابقاً: “الدخول إلى هذا البرلمان خيانة”، يقدّمون تعيينهم اليوم كـ “مكسب وانتصار”! بل إن إلهام أحمد باتت مشغولة بهذا المنصب لدرجة أنّها تتحدّث عن اللجان التي ستشغلها أكثر من الحديث عن الحقوق المشروعة للكورد!
وهنا يكمن التناقض الصارخ: فلسنوات طويلة، ظلّت إدارة روجآفا استناداً لباراديغما أوجلان تهاجم مفهوم “الدولة”، فوفق فهمهم وفكرهم أن الدولة شرٌّ مطلق، وأن “اللا-دولة” هي الحرية الحقيقية، وبالتالي يتوجّب على الكورد العزوف عن المطالبة بدولة. وكانت السيدة إلهام من أشدّ المدافعين عن هذا الطرح والفكر!
فأين نحن اليوم؟! وفي أي وضع؟
مظلوم عبدي في طريقه ليكون نائباً لرئيس الجمهورية العربية السورية، وإلهام أحمد في طريقها للتعيين في برلمان تلك الدولة ذاتها… ويحاولون تسويق ذلك لنا كـ “مكسب وانتصار”! ألم يكن من المفروض أنّ الدولة شرٌّ مطلق؟! إذن؛ فما الذي تفعلونه في أحضان الدولة السورية؟!!
وبدلاً من مواجهة هذا التناقض والمفارقة والتكتّم عليها وإخفائها، تصرّح السيدة إلهام ببساطة في مقابلة أخرى فتقول: «الوضع الذي نمرّ به الآن هو حالة اندماج ومشاركة في الدولة؛ لم نعد خارج هذه الدولة ولن نبقى خارجها، والكورد اليوم في سوريا هم جزء من الدولة».
باختصار…
إن امتلاك الكورد لدولتهم المستقلة أو نظام فيدرالي يُعد في عرفهم “شراً ورجعية” بينما التحوّل إلى مواطنين أو موظّفين مدنيين في دولة عربية أسّسها نظام البعث، أو دولة تأسّست على يد مسلّحي داعش؛ فهو “حرية ومكسب تاريخي!”.
يبدو أن إلهام أحمد أدركت أخيراً أين تكمن القوة؛ ولهذا، وبمعرفتها الجيدة بدور أنقرة الحاسم والمؤثّر على سوريا وأوجلان وحزب العمال الكوردستاني، الـ PKK، فإنها لا تتوانى عن طلب الرضا والتأييد من أنقرة وأوجلان على حدّ سواء.
والمحصلة:
إن النتيجة المفترضة بعد 15 عاماً من الدمار والخراب وآلاف الشهداء والمآسي والمعاناة اللامتناهية التي تكبّدها الشعب الكوردي، كان يجب أن تكون على الأقل انتزاع وضع إداري-سياسي مُعترف به. لكن للأسف الشديد، ما تمّ تحقيقه وتحصيله لا يتعدّى بضعة مقاعد في برلمان دمشق، واستجداءً للغة الكوردية، وبعض الحقوق الفردية التي لا تتجاوز مستوى حقوق اللاجئين. إن الذين كانوا يرفعون شعار “نحن ضدّ الدولة” وحرموا الكورد من تحقيق كيانهم، يقدّمون اليوم الاندماج في نظام الجمهورية العربية السورية كـ “نصر مبين”.
يجب على الرأي العام الكوردي ألا يقبل مطلقاً بأي ذرائع وتزييفات هذه الانتكاسة التأريخية والهزيمة المدوية الذي شهدها روجآفا كوردستان؛ بل يتوجّب عليه كشف المتسبّبين في هذه الانتكاسة التاريخية للكورد وتحميلهم المسؤولية الكاملة ومحاسبتهم…