التناقضات السياسية والاجتماعية في مقابلة «أمير الظلام» جميل بايك…

التناقضات السياسية والاجتماعية في مقابلة «أمير الظلام» جميل بايك...

في مقابلة صحفية مع الرئيس المشارك للمجلس التنفيذي لـ منظومة المجتمع الكوردستاني (KCK)، جميل بايك على قناة (Nûçe TV)، نُشرت بتاريخ 17 أيلول/ سبتمبر 2026، كرّر قيادي حزب العمال الكوردستاني بكك هذا وكعادته في طرحه لتقييماته الخاوية من أي معنى وبلا أي قيمة حول جملة من القضايا المصيرية للشعب الكوردي؛ حيث صرّح بوضوح ودون أدنى خجل بأنّهم لا يريدون ولا يطالبون بأيّ دولة للكورد، زاعماً أن وجود الدولة لا يجلب الحرية للكورد! كما أعلن بصراحة عدم رغبتهم في تغيير حدود الدولة التركية أو المسّ بها…

مقابلة الرئيس المشارك للمجلس التنفيذي لـ (KCK)، جميل بايك مع قناة (Nûçe TV)، هذه، شكّلت صدمةً وانكشافاً عميقاً على المستويات الفلسفية والسياسية والاستراتيجية العسكرية وكذلك المشاعر القومية. ففي الوقت الذي كان فيه الشعب الكوردي ينتظر ويأمل موقفاً صارماً من حزب العمال الكوردستاني بكك ضد الدول الغاصبة والمحتلّة لكوردستان، اتضح جلياً وبما لا يدع مجالاً للشكّ أن الحزب وقياداته قد استسلموا بالكامل للدولة التركية وفق باراديغما زعيمهم، مخضعين إرادتهم للدولة التركية دون حتى محاولة التستر على ذلك أو الخجل منه. بل لم تكتفِ تقييمات بايك اللاقيّمة والخاوية بإثارة استفهامات شعب مضطهد وأمّة جريحة في أذهان المجتمع فحسب، بل نكأت جراحاً غائرة في قلوب آلاف عوائل الشهداء والجرحى، ووضعت الكورد في حالة رهبة وخيبة أمل وقلق عميق.

النكوصٌ عن فكرة “الدولة” والتخلّي عن القرابين والتضحيات لعقود…

تتمثّل إحدى أكثر النقاط إيلاماً في خطاب بايك في التعاطي المزدوج مع مفهوم “الدولة”؛ فبينما يرى من جهّة أن الدولة أداة قمع وإنكار لا تمنح الكورد أي حرية، يعلن من جهة أخرى وبكل سهولة: «نحن لا نريد تجزئة الدولة التركية أو تغيير حدودها ولا إقامة دولة كوردية!».

هذا التصريح يفتق جرحاً غائراً في قلب ووجدان المجتمع الكوردي الذي قدّم على مدى عقود وسنوات مريرة كلّ ما يملك في سبيل الاستقلال والحرية والخلاص؛ الشعب الكوردي ضحّى بآلاف أبنائه، وتشرّد الملايين منه، وأُحرقت آلاف قراه في سبيل حرية الكورد وكوردستان. ولكن؛ عندما يرى هذا الشعب أن الغاية النهائية أصبحت مجرّد حراسة حدود الغزاة المحتلّين فهو يواجه مرارة الخديعة. فإذا كانت الدولة كياناً قمعياً، فلماذا يُراد من الكورد أن يتحوّلوا إلى حراسٍ للحدود التي كبّلت أرضهم بالسلاسل؟!

ازدواجية المعايير تجاه القوى العسكرية والوحدة القومية

التناقض الثاني الذي مسّ الشعور القومي وآلمه كان يكمن في نفاق وازدواجية التعاطي مع القوات العسكرية الكوردية؛ إذ مجّد بايك اندماج وحدات مقاومة شنگال-سنجار (YBŞ) داخل المنظومة العسكرية العراقية وأشاد به بوصفه “خطوة جيدة”، كما أبدى دعمه المطلق لاندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مع النظام السوري، لكنّه عندما يصل الأمر إلى وحدة البيت الكوردي الداخلي في كوردستان، تُغلق جميع الأبواب وينبغي أن يحصل كلّ شيء وفق أهواء ومصالح حزب العمال الكوردستاني ورغبته، وإلّا فلن يكون هناك شيء باسم الوحدة!!

هذا الموقف يُفطِر قلوب الشعب الكوردي ويدميها؛ لماذا يبدي حزب العمال الكوردستاني بكك على استعداده التام لتسليم شباب وبنات الكورد لتلك الدول الغاصبة لكوردستان والتي تلطّخت أيديها بدماء عمليات الأنفال والإبادات الجماعية والمجازر… بينما يرفض اندماجهم في المؤسّسات القومية لإقليم كوردستان؟ هذا الهروب من الأخوة ووحدة الأرض يمثّل طعنة في ظهر الأمل بالوحدة القومية-الوطنية.

يسعى بايك وحزبه بكلّ قوة لاندماج القوات العسكرية وخصوصاً التابعة لحزب العمال الكوردستاني بكك مع الدول المحتلّة لكوردستان، بل هم مستعدون للتنازل عن كلّ شيء والاستسلام غير المشروط لتحقيق ذلك، لكن عندما يتعلّق الأمر بحكومة إقليم كوردستان فيكشر حزب العمال الكوردستاني عن أنيابه ويرفض الخضوع للقوانين والمؤسسات الدستورية لإقليم كوردستان بأيّ شكل من الأشكال، ليس هذا فحسب، بل إنّ بايك وحزبه يشكّلون العقبة الأكبر والأشدّ تأثيراً أمام تحقيق الوحدة القومية الكوردية، في الوقت الذي يرفعون فيه شعارات الاستعداد للوحدة القومية “دون شروط!

فيا تُرى: عن أي وحدة قومية يتحدّث بايك وهو يحارب فكرة “الدولة القومية” ويعدّ القومية أفكاراً متخلّفة ورجعية؟ ولماذا إذن تتشدقون كلّ هذا التشدق بالحديث عن الوحدة القومية؟! كلّ شيء بات واضحاً وجلياً؛ فهذه العبارة وهذه الشعارات ليست سوى أداة لتضليل الكورد وخداعهم، وإلّا فكيف يمكن لشخصٍ يناهض فكرة إقامة “الدولة القومية” لشعبه ويرفضها، أن يطالب في الوقت نفسه بالاندماج مع القوى المحتلة لأرضه ووطنه، ثمّ يتغنّى بـ “الوحدة القومية”؟! أفهكذا تُحقّق الوحدة القومية للكورد… عبر الذوبان والاندماج في أحضان الدول الغاصبة والمحتلّة للوطن؟!!

انتقاد مظلوم عبدي وتجاهل دور أوجلان!

الجزء الأكثر غرابة وتناقضاً في المقابلة كان انتقاد جميل بايك لمظلوم عبدي حين قال: «لم يكن ينبغي لمظلوم عبدي أن يقبل بمنصب مستشار أحمد الشرع»، لكنّه تجاهل الحديث عن أوجلان وكيف تحوّل إلى مستشار لأردوغان وموجّه ودليل للسياسات التركية لإخضاع الكورد وصهرهم وإذابتهم داخل تركيا تحت مسمى “الاندماج والمجتمع الديمقراطي”!؟

فالحقيقة هي أن منصب المستشار لمظلوم عبدي لا يختلف بتاتاً عن دور المستشار لأوجلان، وكلاهما مشابهان تماماً ولا يختلفان إطلاقاً عن أدوار ومهام مستشاري صدام حسين سابقاً. وممّا لا شكّ فيه أنّ مظلوم عبدي قبل بمنصب مستشار أحمد الشرع بموجب أوامر وتوجيهات وقرارات حزب العمال الكوردستاني بكك وأوجلان؛ فلا يمكنه اتّخاذ أي خطوة مهما كانت صغيرة دون قرار قنديل وإمرالي.

خلاصة القول: جاءت كلمة بايك كالعادة؛ ملأى بالتناقضات والتخبطات الشديدة، تماماً كخلوّها من أي معلومات ورؤى جديدة أو حلول حقيقية تُذكر.