اغتيال حكمت فيدان جزء من سياسة أوجلان “صهر-دمج الكورد في الدولة التركية”…

اغتيال حكمت فيدان جزء من سياسة أوجلان "صهر-دمج الكورد في الدولة التركية"...

سلسلة الجرائم التي ارتكبت من جانب حزب العمال الكوردستاني الذي يصوّر نفسه ويقدّم ذاته كبطل للديمقراطية والحريات… ضدّ الوطنيين الكورد المخلصين باتت وصمة عار سوداء في تاريخ كوردستان الحديث والمعاصر.

فمنذ عام 1978، دأب حزب العمال الكوردستاني على رؤية الكورد الوطنيين المخلصين كـ عوائق وعقبات في طريقه وأمامه؛ لذا سعت الحركة بكلّ ما لديها من قوة عبر محاولات الاغتيال أو الإساءة والازدراء إلى إقصائهم وإبعادهم عن الساحة السياسية. فأهانت من قدرت عليهم وشوّهت صورة من تمكّنت منهم وجرّدتهم من رمزيتهم السياسية، أمّا البقية الصامدة منهم فكان مصيرهم القتل والتصفية. ولتمهيد طريقها وتعبيده، ارتكبت هذه الحركة آلاف الجرائم والاغتيالات؛ هذه السلسلة الدموية التي بدأت باغتيال “فريد أوزون” في سويرك عام 1978، امتدت حلقاتها لتصل إلى اغتيال “غازي صالح آليخان” في منطقة بهدينان في تشرين الأول (أكتوبر) عام 2020. وفي قلب هذه السلسلة الدموية الممتدة، كان اغتيال “حكمت فيدان” حلقة محورية غاية في الأهمية والخطورة.

كان حكمت فيدان مناضلاً ووطنياً كوردياً، ارتبطت مسيرته بعلاقات مع حزب العمال الكوردستاني منذ سبعينيات القرن الماضي، فدفع ضريبة هذا الانتماء سنواتٍ من الاعتقال والتعذيب داخل السجون.

ومع مرور الوقت، بدأ فيدان يوجّه انتقاداته حادّة لنهج الحزب؛ إذ كان مؤمناً بأن أوجلان بعد عودته إلى حضن الدولة في إيمرالي عام 1999، قد انحرف تماماً عن نهجه ومواقفه الكوردستانية. هذا الرجل الذي خبر زنازين الاعتقال وذاق مرارة صنوف التعذيب، وظلّ متمسكاً بموقفه الكوردستاني الأصيل، لا لذنبٍ اقترفه سوى جرأته على توجيه النقد لثنائية (آبو-PKK) تلك الانتقادات التي تحوّلت لـ صكّ اغتياله وتصفيته.

الإستراتيجية الجديدة لحزب العمال الكوردستاني في عام 2004: إبعاد الكورد وعزلهم عن جنوب كوردستان-إقليم كوردستان

بعد عودة أوجلان إلى حضن الدولة التركية عام 1999، قاد حزب العمال الكوردستاني وفقاً لأجندة السياسة اليومية للدولة التركية. بل لم يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل إن الجماهير التي جمعها حوله في باكور كوردستان تحت شعار القومية-الوطنية الكوردية، أعيد تصميمها وتوجيهها وفقاً لسياسة “التتريك والاندماج”.

فتمّ حلّ وتفكيك المؤسّسات القومية-الوطنية، وحلّت محلها هياكل حزبية ونسائية وشبابية كان الهدف منها أن تصبح جزءاً من مشروع التتريك. هذا الوضع أثار استياءً كبيراً بين الكورد، سواء داخل حزب العمال الكوردستاني بكك أو خارجه.

تسبّب هذا الوضع في عام 2004 بحدوث انشقاقات وانتكاسات وانكسارات هائلة داخل الحزب. ونتيجة لذلك، وجّه الكورد بوصلتهم نحو جنوب كوردستان-إقليم كوردستان، إلّا أن الدولة التركية رأت في هذا التوجّه تهديداً كبيراً لها. ومن أجل منع هذا التحول، تحرّك أوجلان؛ حيث اتبع من جهة إستراتيجية لخداع أتباعه وأنصاره وتغيير الأجندة الكوردية، وذلك عبر دفعهم لاتّخاذ قرار استئناف الكفاح المسلّح ضدّ تركيا من جديد في 1 حزيران/يونيو 2004، ومن جهة أخرى، كان يتمّ التخلّص بمختلف الطرق والأساليب من كلّ من عارضه وانتقده أو حاول فتح مسار وطريق جديد للكورد. نعم، إحباط هذه المساعي والمحاولات كانت وظيفته ومهمته الأساسية؛ ولتحقيق هذا الهدف، جرت تصفية واغتيال كلّ من “سيبان روجهلات” و “كاني يلماز”، و”حكمت فيدان” في عام 2004. فضلاً عن ذلك، كانت الأصوات الناقدة والمعارضة داخل الحزب إما تتعرّض للقتل والتصفية، أو يتمّ تحييدها وإقصاؤها وتجريدها من أي تأثير.

اغتيال حكمت فيدان استمرار لسياسة تتريك الكورد

لم يكن اغتيال حكمت فيدان مجرّد تصفية شخص عادي أو مجرّد إزاحة لمعارض من قِبل حزب العمال الكوردستاني بكك، فبعد عام 2004، سعى أوجلان جاهداً لإعادة بناء المؤسّسات في باكور كوردستان وفقاً لإستراتيجيته الهادفة لـ “التتريك ودمقرطة الجمهورية”. إنّ اغتيال فيدان كانت رسالة واضحة إلى الشخصيات الكوردية والجهات التي تقف ضدّ هذا النهج؛ بعبارة أخرى: “كلّ من ينتقد “آبو-حزب العمال الكوردستاني سيتم اعتباره عدواً”.

لذا، كانت عملية اغتيال فيدان جزءاً من إستراتيجية حزب العمال الكوردستاني لإبعاد مؤسّسات باكور كوردستان عن خطّ الكوردايتي-النهج الوطني الكوردي (المسار القومي-الوطني). ومن أجل تحقيق هذا الهدف، جرى التخطيط لاغتيال فيدان على أعلى المستويات.

مراد قره يلان أصدر أمر اغتيال حكمت فيدان…

عندما يتعلق الأمر بالقضايا الإستراتيجية، تبرز الشخصيات القيادية والمهمة داخل حزب العمال الكوردستاني، إن عملية تصفية واغتيال كلّ من “كاني يلماز” و”شابور بوديشافا-سيبان روج هلات” و”كمال سور” و”حكمت فيدان” كانت جميعها قرارات مشتركة اتّخذها كبار قادة الحزب.

وفي خضم الاضطرابات والصراعات الداخلية التي عصفت بحزب العمال الكوردستاني بين عامي 2003 و2004، أوكل أوجلان الدور لـ مراد قره يلان. وبدافع الحماس بعد الحصول على رأس السلطة والنفوذ داخل الحزب متفوقاً على “جميل بايك” للمرة الأولى، كلّف قره يلان ووظّف فريقاً خاصاً من قيادة حزب العمال الكوردستاني لتنفيذ هذه الاغتيالات والتصفيات والمجازر.

أوكل مراد قره يلان مهمة الاغتيالات والتصفيات الداخلية إلى “سركان شتلاي” (دنيز أولاش)، عضو القوات الخاصة لحزب العمال الكوردستاني بكك، من جانبه، أرسل باهوز أردال مسدس من نوع “كلوك” كاتم للصوت إلى “دنيز” عبر مسلّح من أهالي جولميرك لكي يغتال به حكمت فيدان.

باختصار، جرى اغتيال حكمت فيدان بقرار من مثلث الرعب هذا داخل حزب العمال الكوردستاني. وتكمن أهمية اغتيال حكمت فيدان في كونه يُظهر كيف قام نظام حزب العمال الكوردستاني بتحويل كوادره إلى قتلة ومصفّين؛ فمقاتلو الحزب (الكريلا) الذين انخرطوا في النضال من أجل بناء كوردستان، كيف تحوّلوا في نهاية المطاف إلى مريدين للحزب وقتلة للكورد.

من هو حكمت فيدان؟

وُلِد حكمت فيدان في قرية مَرسكا التابعة لمنطقة أومرلي في محافظة ميردين. أتمّ تعليمه في سبعينيات القرن الماضي وعمل معلماً. وبينما كان يمارس مهنة التعليم في قريته، أنشأ علاقات مع حزب العمال الكوردستاني بكك في عام 1976. وقد جمعته علاقة رفاقية مع أوجلان والمؤسّسين الأوائل الآخرين للحزب، من بينهم مظلوم دوغان وخيري دورموش. كان فيدان أحد الشخصيات المؤثّرة في تنظيمات حزب العمال الكوردستاني في ميردين. بُعيد الانقلاب العسكري في 12 أيلول، جرى اعتقاله وأُودع في سجن ديار بكر السيء الصيت؛ بسبب عمليات التعذيب الممنهجة وصنوف التعذيب الشديد فيه، أمضى فيدان 10 سنوات من حياته في هذا السجن الدموي والمعتقل الوحشي بتهمة الانتماء لحزب العمال الكوردستاني، أُطلق سراحه في عام 1991. وعندما اغتاله حزب العمال الكوردستاني، كانت قضيته القانونية التي واجه فيها حكماً بالسجن لمدة 36 عاماً لا تزال مستمرة.

بعد خروجه من السجن، شارك بنشاط وفعالية في الأنشطة السياسية لحزب العمال الكوردستاني في باكور كوردستان وتركيا؛ حيث عمل في أحزاب مثل (DEP) و(HADEP)، وشغل منصب نائب رئيس حزب (HADEP)، في عام 1995، وبسبب أنشطته السياسية، احتُجز لفترة قصيرة في سجن مالتبه في أنقرة، لكنه لم يتخلَّ عن قضيته، وقدّم كلّ أنواع الدعم لنضال الكورد وكوردستان.

في الأعوام 1995 و1999 و2002، ترشّح للانتخابات البرلمانية ضمن قوائم الأحزاب الكوردية، وحظي بدعم وتأييد كبيرين من شعب كوردستان في كلّ المناطق.

في شباط/فبراير 2005، وخلال اجتماع عُقِد في فندق “كايا برستيج” في إزمير للتحضير لتأسيس حزب المجتمع الديمقراطي (DTP)، قال فيدان: “لا أعتقد أن حركةً تدّعي النضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، ولا تطبق هذه المبادئ داخل تنظيمها الخاص، يمكنها أن تنجح وتحقّق شيئاً” وأعرب بوضوح عن رغبته في خروج سياسة باكور كوردستان من تحت هيمنة مسار “التتريك” لحزب العمال الكوردستاني، وأن تتّخذ قراراتها بشكل مستقل.

لاحقاً، أعلن “مصطفى قره سو” أن حكمت فيدان “خائن”، وقال: “الشعب الكوردي يعرف جيداً جنازة مَن يشيع ويتبنى، ونحن لا نتبنى الخونة”.

كما تحدث يالجين كوجوك معلّم أوجلان الكبير نيابة عن الدولة قائلاً: “مشكلة حكمت فيدان هي مسألة فيدرالية؛ فقد كان فيدان سائراً على نهج البارزانيين”.

أُغتيل حكمت فيدان بعيار ناري في رقبته وسط أسواق ولاية ئامد-دياربكر عام 2005 على يد جلاوزة وجلادي العمال الكوردستاني…